الإعلام العربي و”حكومة الجولاني”: كيف تُعيد القنوات الخليجية صياغة قمع العلويين كـ”انتصار للثورة”؟

في ظل تصاعد الاحتجاجات السلمية لسكان الساحل السوري — خصوصًا من الطائفة العلوية — ضد الانتهاكات الطائفية، الاعتقالات التعسفية، والمجازر الميدانية التي ترتكبها فصائل تابعة للحكومة الانتقالية (التي يُطلق عليها سخرًا بـ”حكومة الجولاني”)، برز انحياز صارخ في التغطية الإعلامية العربية، لا سيما من قبل قنوات تابعة للأنظمة الخليجية مثل العربية، الشرق الأوسط، والجزيرة.

فبدلًا من الإبلاغ الحيادي عن قمع عنيف ضد متظاهرين عُزّل — أدى إلى شهيدَين وعشرات الجرحى، وفق توثيق المرصد السوري — قدّمت هذه المنصات الرواية الرسمية للحكومة الانتقالية كأنها حقيقة مطلقة، ووصفت الاحتجاجات بأنها “مظاهرات فلول النظام”، وقدّمت القتلة كأبطال “الثورة”.

تزييف الرواية: من “مظاهرات سلمية” إلى “هجمات إرهابية”

أبرز مثال على هذا التحيّز هو تبني قناة الجزيرة والعربية لرواية العميد عبد العزيز الأحمد، قائد الأمن الداخلي في اللاذقية، الذي زعم أن “عناصر إرهابية من فلول النظام” هاجمت قوات الأمن خلال المظاهرات، ما أدى إلى “إصابة عناصر أمنية وتكسير سيارات”.

لكن المرصد السوري، ومقاطع الفيديو الموثّقة، وشهادات عديدة تؤكد أن:

  • المتظاهرين كانوا يعتصمون سلميًّا،
  • لم يحملوا أي سلاح،
  • وقُمعوا برصاص حي، سكاكين، مدرعات، وخراطيم مياه،
  • بينما لم يُبلّغ عن إصابة أي عنصر أمني خارج روايات غير موثّقة.

خطاب الكراهية باسم “الثورة”

الأكثر إثارة للقلق هو بيان أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس أحمد الشرع، الذي وصف قادة الطائفة العلوية — وعلى رأسهم الشيخ غزَال غزَال — بـ”الشخصيات المرتبطة بجمهورية صيدنايا وتدمر”، واتهامهم بأنهم “واجهة للقمع الأسدي”، في محاولة واضحة لـتشويه أي صوت يطالب بحماية العلويين.

وكتب زيدان على “إكس”:

“المكوّن العلوي يليق به بعد انتصار الثورة شخصيات وطنية نظيفة”،
مُلمّحًا إلى أن من يدافع عن العلويين اليوم “يدافع عن الكيماوي والبراميل المتفجرة”، في خلط متعمد بين النظام السابق وبين المدنيين العزل.

هذا الخطاب لا يختلف في جوهره عن الخطاب التكفيري الذي كان يصدر عن جماعات جهادية قبل سنوات، لكنه اليوم يُقدَّم بزِيّ “وطني” و”ثوري”، ويُدعم إعلاميًّا من قبل قنوات تدّعي الدفاع عن “الربيع العربي”.

الإعلام كأداة تصفية طائفية

ما يجري ليس تحيّزًا إعلاميًّا عاديًّا، بل تغطية ممنهجة لتصفية طائفية تحت غطاء “الثورة” و”الدولة الجديدة”. فبينما:

  • تُصوَّر دماء العلويين كـ”بقاء للنظام”،
  • يُقدّم من يطلب الحماية كـ”خائن”،
  • ويُحتفى بالقمع كـ”استعادة للسيادة”،

فإن العربيّة — رغم ادعائها القومية — تظهر وكأنها لا تعتبر العلويين جزءًا من “الأمة”، بل “شذوذًا يجب تصفيته”.

صمت مريب ومسؤولية أخلاقية

في الوقت الذي يُقتَل فيه مواطنون سوريون لمجرد انتمائهم الطائفي، ويُستهدفون في مساجدهم واحتجاجاتهم السلمية، يُصبح الإعلام العربي شريكًا في الجريمة حين يُعيد إنتاج رواية الجلاد، ويطمس ضحية القمع.

ويبقى السؤال:

هل “الثورة” التي يُحتفى بها في الرياض والدوحة والقاهرة هي ثورة على الاستبداد… أم على “العلويين” كشعب؟

لأن ما يجري اليوم في الساحل السوري لا يختلف في جوهره عن التطهير العرقي، لكنه يُلبَس لباس “العدالة الانتقالية”، ويُروّج له إعلامٌ نسي أن القومية العربية لا تُبنى على إقصاء جزء منها.