حسين عمر: كيف تتحول دمشق إلى ورقة تفاوض بين تل أبيب وأنقرة؟‎

كاتب كردي
إن التحولات الدراماتيكية التي تعصف بالجغرافيا السورية اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن صراع الإرادات الإقليمية الذي يسعى لإعادة تعريف الوظيفة السياسية للدولة السورية في مرحلة ما بعد الانهيار. نحن لسنا أمام مجرد تبديل في الوجوه الحاكمة أو سقوط نظام تقليدي، بل نحن أمام عملية “تفكيك وإعادة تركيب” تتجاوز الحدود السورية لتطال توازنات القوى في المشرق العربي برمته. وفي هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تبرز دمشق اليوم كساحة لتصفية الحسابات ورسم خرائط النفوذ بين قوى إقليمية متنافسة، حيث تسعى إسرائيل من جهة إلى تحويل العاصمة السورية إلى دولة عازلة منزوعة الأنياب، بينما تحاول تركيا من جهة أخرى تثبيت أرجلها كلاعب لا يمكن تجاوزه، مستخدمة في ذلك أوراقاً عسكرية وفكرية شديدة الحساسية، وعلى رأسها تنظيمات راديكالية أثبتت قدرتها على خلط الأوراق في اللحظات الحاسمة.
لقد اعتمدت إسرائيل، عبر سنوات على استراتيجية المعركة بين الحروب، على تجريف الوجود العسكري الإيراني و”حزب الله”، ممهدة الطريق لهذا الانهيار البنيوي. لكن الرهان الإسرائيلي لم يكن يوماً على ديموقراطية سوريا، بل على الوصول إلى لحظة الفراغ الاستراتيجي التي تسمح بفرض شروط أمنية قاسية على أي سلطة جديدة. وهنا يبرز الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وحكومته كطرف تراه تل أبيب “عدواً مثالياً” في هذه المرحلة؛ عدو يفتقر للقوى العسكرية والشرعية الدولية ويعاني من إنهاك داخلي وصراعات مجتمعية، مما يجعله قابلاً للابتزاز السياسي مقابل البقاء.
إن ما تسعى إليه إسرائيل هو دفع السلطة الجديدة نحو توقيع “اتفاق أمني” هو في جوهره وثيقة استسلام سيادية، تتضمن ترسيم الحدود بما يشرعن الاحتلال في الجولان، ويفك الارتباط نهائياً بالقضية الفلسطينية، ويحول دمشق من عاصمة للموقف إلى مجرد “حارس حدود” تحت الرقابة الدولية والإسرائيلية.
بيد أن هذا المسار الإسرائيلي يصطدم مباشرة بالمشروع التركي الذي يمتلك أدوات مختلفة ورؤية مغايرة لإدارة الأزمة السورية. فخلافاً لبعض القراءات السطحية التي تصور أنقرة في حالة قلق من وجود تنظيمات راديكالية على حدودها، فإن الواقع الميداني والسياسي يثبت أن تركيا نجحت في تحويل هذه التنظيمات، بدءاً من هيئة تحرير الشام وصولاً إلى فصائل “العمشات والحمزات”، إلى أذرع وظيفية تخدم مصالحها القومية. بالنسبة لصانع القرار التركي، فإن هذه القوى ليست تهديداً، بل هي خزان بشري وقوة ضاربة تمنح أنقرة مقعداً دائماً على طاولة التفاوض حول مستقبل سوريا. إن الرعاية التركية لهذه الفصائل تهدف إلى خلق واقع الارتباط العضوي بين الشمال السوري والعمق التركي، مما يجعل أي تسوية سياسية في دمشق تمر حتماً عبر بوابة أنقرة.
وهنا يتبلور صراع النفوذ الحقيقي بين إسرائيل وتركيا؛ صراع لا يدور حول “محاربة الإرهاب”، بل حول من يمتلك الكلمة الفصل في دمشق. تدرك تركيا جيداً أن تسرع حكومة الشرع في قبول الإملاءات الإسرائيلية أو الانخراط في تفاهمات أمنية مباشرة مع تل أبيب سيعني تجريد أنقرة من أهم أوراقها الاستراتيجية. فإذا ما نجحت إسرائيل في سحب دمشق إلى مدارها الأمني الخاص، فإن تركيا ستفقد ورقة النظام السوري البديل الذي كانت تخطط لصياغته وفق معاييرها. لذا، فإن الضغوط التركية الحالية على قيادة “هيئة تحرير الشام” تتسم بالصرامة لمنع أي هرولة نحو اتفاقات أمنية مع الجانب الإسرائيلي، لأن ذلك سيؤدي إلى تآكل النفوذ التركي وتحويل دمشق إلى منطقة نفوذ إسرائيلية-غربية خالصة، مما يهدد المصالح التركية الحيوية من حلب إلى دمشق.
إن ما يجري خلف الكواليس هو شد حبال جيوسياسي بامتياز؛ فإسرائيل تريد “سلاماً وظيفياً” يعزل دمشق عن محيطها العربي والإقليمي (المقاوم)، بينما تريد تركيا “نفوذاً بنيوياً” يجعل من دمشق امتداداً لمجالها الحيوي. وفي ظل هذا الكباش، تبدو السلطة الجديدة في دمشق وكأنها تتحرك في حقل ألغام، حيث تحاول موازنة رغبتها في نيل الشرعية الدولية غير المشروطة، الذي قد توفره البوابة الإسرائيلية، وبين حاجتها للغطاء اللوجستي والعسكري الذي يمكن لأنقرة توفيره. إن خطورة هذه اللحظة تكمن في أن السيادة السورية تضيع بين هذه المحاور، حيث يتم تحويل الدولة من فاعل تاريخي في المنطقة إلى مجرد مساحة جغرافية للتفاوض والمقايضة بين قوى إقليمية ترى في الجسد السوري المنهك فرصة لتحسين شروط تموضعها في النظام العالمي الجديد.
علاوة على ذلك، فإن توظيف الفصائل الراديكالية في هذا الصراع يضفي عليه طابعاً شديد الخطورة؛ فهذه التنظيمات التي باتت تتحكم في مفاصل العاصمة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار التحول من الميليشيا إلى الدولة. لكن هذا التحول ليس قراراً ذاتياً بقدر ما هو نتيجة لضغوط الممولين والمشرفين الإقليميين. إن تركيا، بتثبيتها لقوى مثل العمشات والحمزات كفرق عسكرية داخل الجسم العسكري لدمشق ذات قوة نفوذ، تفرض على دمشق نموذجاً من الاستقرار الهش الذي يخدم استراتيجيتها الطويلة الأمد في منع حصول الأكراد على حقوقهم المشروعة من جهة، وضمان تبعية المركز السوري لها من جهة أخرى. وفي المقابل، فإن أي اختراق إسرائيلي لهذا الجدار التركي سيعني إعادة خلط الأوراق ميدانياً، وربما الدخول في مرحلة جديدة من المواجهات بالوكالة فوق الأرض السورية.
ختاماً، يمكن القول إن سوريا اليوم تقف أمام تحدٍ وجودي يهدد ما تبقى من هويتها الوطنية الجامعة. إن تحويل دمشق من “قلب العروبة النابض” إلى “وكيل قلق” يتنازعه نفوذ تل أبيب وطموحات أنقرة هو المأساة الحقيقية لهذا العصر. إن “السلام” الذي يُبشر به البعض عبر اتفاقات أمنية مذلة أو عبر رعاية إقليمية مشروطة هو سلام زائف، لا يهدف لإعمار البلاد أو تضميد جراح العباد، بقدر ما يهدف لتقنين الارتهان للخارج. إن استعادة سوريا لقرارها الوطني المستقل تتطلب إعادة النظر في أسس بناء الدولة الحديثة ووعياً يتجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية والقومية والارتباطات الخارجية، وهو وعي يبدو بعيد المنال في ظل هندسة السقوط التي تُمارس بإتقان على مسرح العمليات السوري، حيث تظل الكلمة العليا لقوى الفصائلية الدينية الراديكالية والمال والتبعية الخارجية، بانتظار لحظة تاريخية تعيد للشعوب حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن أوهام “السلام الوظيفي” أو “الوكالة القلقة”.