لعقود، كان الوصيف الأدق للواقع السياسي الكوردي هو:
“الانقسام و الاقتتال منهج، والخلاف ثقافة، والتعاون استثناء الهدف منه التحايل”.
ففي كل بقعة من كردستان المجزأة — تركيا، العراق، سوريا، إيران — تكرّس نمط واحد:
الأحزاب الكوردية لا تحكم بالبرنامج، بل بالزعامة.
لا تتحالف بالرؤية، بل بالمنفعة.
ولا تقاتل العدو بقد ما تقاتل بعضها البعض.
لكن اليوم، وفي غَربي كُردستان (شمال شرق سوريا)، يظهر شيء مختلف.
أو على الأقل، يبدو كذلك.
منذ أشهر، لم يعد التلاسن و التخوين بين القوى الكوردية في روج آفا تحدث كما في الماضي.
بدلاً من ذلك، نرى:
- تظاهرات مشتركة.
- بيانات تضامن موحد.
- موقف شعبي كردي شامل ضد الهجمات السلفية الجهادية على أحياء مثل الشيخ مقصود والأشرفية.
- دعم متبادل بين القوى الكوردية في سوريا، حتى تلك التي كانت متخاصمة تاريخيًا.
- أعلام كوردستاني موالي لصمود الشيخ مقصود و الاشرفية و مؤتمرات مشتركة
حتى أن أنصار بعض الاحزاب الكوردية التي كانت تتقاتل بعضها في التسعينيات و قبل سنوات، يرفعون اليوم نفس الراية في المظاهرات دعماً للكورد في حلب.
هل هذا معناه أن “الوحدة الكردية” قد تحققت أخيراً؟
أم أننا أمام تمثيلية جديدة، حيث يُعاد ترتيب الصفوف قبل أن يُسحب البساط من تحت اقدام أحدهم؟
السبب الجوهري لظهور هذه الوحدة ليس التحول الأخلاقي أو السياسي للقيادات، بل التهديد الوجودي المباشر.
- حكومة أحمد الشرع (الجولاني) لم تعد تهاجم فقط مواقع عسكرية، بل تستهدف:
- المدنيين.
- المدارس.
- المقابر.
- وحتى رمزية الهوية وكل ما هو كوردي.
- هجمات على الشيخ مقصود لم تعد “اشتباكات حدودية”، بل محاولات ترحيل قسري، تُشبه ما فعلته تركيا في سري كانيه أو ما خطط له في عفرين.
- الكورد في حلب يدركون أنهم إذا سقطوا، لن تكون هناك “أدارة كردية” في المستقبل، بل إبادة تدريجية للهوية.
نعم في لحظات الخطر الوجودي، ينسى الناس خصوماتهم.
لأنك لا تتساءل عن “أي فصيل أفضل” عندما يُقصف بيتك. و لكن هل القوى الكوردية تعمل بنفس عقلية الشعب؟
ما يميز اللحظة الحالية هو أن الوحدة ليست من فوق، بل من الأسفل.
- الشارع الكردي في سوريا، العراق، تركيا، وإيران تفاعل بشكل غير مسبوق مع أحداث حلب.
- مظاهرات في ديار بكر، أربيل، سنندج، وحلب، ترفع نفس الشعارات: “روج آفا حرة، منارة الحرية”.
- نشطاء، طلاب، وأمهات يُرسلون رسائل دعم، ويجمعون تبرعات، ويعرضون منازلهم للنازحين.
هذه الموجة الشعبية فرضت على الأحزاب أن تظهر موحّدة، ولو بالحد الأدنى، لأن أي انقسام سيُحاسب عليه الشعب مباشرة.
لكن هنا تكمن المفارقة:
الشعب يريد الوحدة، لكن هل القيادات أيضا تريد الوحدة و صادقة؟.
لنكن صريحين:
تاريخ العلاقة بين الأحزاب الكردية لا يُبشّر بالثقة.
- في الثمانينات والتسعينيات: اقتتال بدعم من إيران والعراق و تركيا.
- في العقد الأول من الألفية: تعاون بعض القادة الأكراد مع النظام السوري أو التركي ضد أحزاب كوردية أخرى.
- في 2014–2019: استغلت بعض الأطراف انهيار عفرين لتوسيع نفوذها، لا لتحرير الأرض و قامت بفتح مقرات مع العمشات و الحمزات.
- حتى اليوم: هناك من يبيع المعلومات، ومن يتآمر، ومن ينتظر لحظة ضعف الآخر.
لذلك، لا يمكن تجاهل احتمال أن تكون:
- هذه “الوحدة” بين الاحزاب الكوردية مجرد مرحلة تكتيكية.
- يتم فيها ترتيب الأوراق قبل صفقة أكبر.
- أو حتى بيع القضية بصفقة مع طرف إقليمي أو دولي، مقابل طرح حزب أو أحزاب كوردية على الارض.
4. هل التاريخ سيُعيد نفسه؟
نعم، يمكن أن يعيد نفسه — إلا إذا تغير الأساس.
التاريخ الكردي مليء باللحظات التي بدا فيها أن “الوحدة” قريبة وفي كل مرة، بعد زوال الخطر المباشر، عادت الخلافات، وعاودت الصراعات، وانكسر الحلم.
اليوم، الخطر لا يزال حاضرًا، لذلك الوحدة باقية. لكن الغد؟ الغد لا يُبنى على المشاعر، بل على المؤسسات.
الوحدة التي نراها اليوم في دفاع الكورد عن الشيخ مقصود والأشرفية، هي أجمل صفحة كتبتها الحركة الكردية منذ عقود.
لكن الجميل لا يعني الدائم.
التاريخ الكردي درس مرير:
كل مرة نقترب فيها من الحرية، نُخيّنها من الداخل.
لذلك، لا يمكن أن نفرح فقط لأن الجميع يهتفون معًا اليوم.
بل يجب أن نسأل:
هل نحن نبني وحدة حقيقية؟ أم نُجهّز لجنازة أخرى؟
الشعب الكردي أثبت أنه قادر على الوحدة.
أما الأحزاب… فعليها أن تثبت أنها تستحق هذا الشعب.
لأن الوحدة الحقيقية ليست في المظاهرات، بل في الإرادة.
وليس في الشعارات، بل في التضحية من أجل “الآخر” — حتى لو كان من فصيل مخالف.
نأمل أن تكون هذه المرة مختلفة.
لكن الأمل لا يتحقق بالأمنيات…
بل بالمؤسسات، بالعدالة، وبصدق النوايا.

