من بغداد وغزة إلى طهران وكراكاس: وحدة المصير الإنساني في مواجهة الطغيان الصهيو ـ أمريكاني- ​ محمد عزت علي الشريف

​أولاً: كاراكاس والصرخة الوجودية

​لم تكن المشاهد القادمة من كاراكاس مؤخراً، والتي وثقت اختطاف رئيس دولة بأسلوب القرصنة، مجرد حدث سياسي عابر، بل هي الصرخة الأكثر دويّاً في وجه عالمٍ يترنح تحت وطأة التغول الصهيو- أمريكاني. إن هذا الانتهاك الصارخ لسيادة الشعوب، الذي يتزامن مع محاولات حصار طهران وخنق غزة، يكشف بوضوح أننا لسنا أمام صراع حدود أو مصالح سياسية تقليدية، بل نحن أمام مواجهة وجودية بين نظام عالمي يرى في الإنسان مجرد أداة لتداول رأس المال، وبين شعوب تأبى إلا أن تحافظ على كرامتها وصوتها الأصيل.

​ثانياً: استراتيجية “الصلف” وتجاوز الهويات الضيقة

​إن القراءة الفاحصة لسياسات هذا التغول تكشف عن تحولٍ خطير في استراتيجيات الهيمنة؛ فبعد عقود من الاستثمار في صناعة الفتنة وتغذية الصراعات الطائفية، انتقلت الإمبراطورية اليوم إلى مرحلة “العنجهية والصلف الصهيو-أمريكية” المباشرة. لم تعد الأدوات هي الدسائس فحسب، بل أصبحت الخطف والقتل والمصادرة هي اللغة الرسمية التي لا تقيم وزناً لقانون أو سيادة. وهنا يبرز المثال الصارخ في محنة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؛ فالرجل لم يكن سنياً ولا شيعياً، بل كان صوتاً إنسانياً منصفاً، وقف بصلابة مع قضايا الحق في فلسطين، فكان مصيره الانضمام إلى ذات المصير الذي يواجهه المستضعفون في شرقنا.

​ثالثاً: رسائل الإرعاب وانصهار وجدان الشعوب

​إن الصمت الدولي المطبق، وتواطؤ الإعلام العالمي –بل وبعض العربي منه – مع جريمة الاختطاف الهمجية لمادورو، يُذكّرنا بما فعلوه بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين عندما حوكم هزلياً بقوانين هجينة وضعها المحتل والخونة. إن الهدف من عرض مادورو بالأصفاد، كما كان الهدف من مشهد المحاكمة الهزلية لصدام حسين، هو توجيه رسالة “إرعاب” للشعوب بأن السيادة وهم. لكن ما يجهله الطغاة هو أن هذه المشاهد تصهر وجدان الشعوب وتخلق “وحدة المصير”؛ حيث يتحول القائد المختطف إلى رمزٍ عابر للقارات. وفي هذا السياق، يأتي صمود نائبة الرئيس “ديلسي رودريغيز” وتماسك مؤسسات الدولة كأهم مظاهر تكتل الشعوب ضد سياسات الاستعباد؛ فبرغم وقوع فعل الانقلاب المادي، إلا أن “أهداف الانقلاب” في كسر إرادة الدولة أمست هي الكسيرة.

​رابعاً: هندسة الصمت وتزييف الأيقونات

​هذا التضليل الإعلامي هو ذاته الذي يمارس “الخرس” تجاه مأساة غزة اليوم؛ حيث يغرق أهلها في الأمطار الجارفة نوّة بعد نوّة، بلا مأوى أو دواء. إننا لا نغالي إذ نقول إن هذا التعتيم هو “الإرهاب الحقيقي”؛ فالإرهاب العسكري ما كان ليحدث لولا جرأته المستمدة من “هندسة الصمت” التي تفرضها وسائل الإعلام السائرة في ركاب الطغيان. وفي ذات السياق، يبرز التحرش بإيران كنموذج لصناعة الفوضى؛ حيث سخر الإعلام الغربي إمكانياته ليصنع “أيقونة” زائفة لفتاة مرفهة تشعل سيجارها من صورة الزعيم الروحي، محاولاً استبدال هموم الفقراء والمحاصرين بمشاهد استعراضية تخدم أجندة الهدم لا الإصلاح.

​خامساً: التغول الرأسمالي وحتمية الناموس

​إن هذا التغول لا يستهدف ديناً بعينه، بل يستهدف “العقبات السيادية” أمام تدفق رأس المال. فبالنسبة للإمبراطورية، الشعوب هي مجرد “أسواق للاستهلاك”، وما يجمع المواطن في غزة بالثائر في طهران بالمنكوب في كاراكاس هو صرخة واحدة ضد نظام يريد جعل البشر قطع غيار في ماكينة الاستعباد الرأسمالي. بناءً عليه، إن على الشعوب اليوم أن تتجاوز خطاب القوميات والطوائف، وتتمسك بالخطاب الإنساني الجامع. إن وحدة المصير ليست خياراً، بل هي حتمية يفرضها ناموس الوجود. إننا لا ننحاز للحق كعاطفة، بل كيقينٍ بوجود سننٍ كونية ثابتة لا تسمح للظلم بأن يكون قدراً نهائياً.

​سادساً: الخاتمة وسحر التعبير عن الحقيقة

​ختاماً، ومع تجلي “سحر التعبير” الذي ينبثق من رحم المعاناة، ندرك أن استعادة الشعوب لصوتها الأصيل هي البداية الحقيقية لسقوط الهيمنة. إن القيود قد تأسر الأجساد، لكنها تعجز عن تكبيل الحقيقة التي تفرض نفسها بضرورة الوجود. إن المصير الإنساني واحد، والعدالة وإن تأخرت، فهي آتية بحكم القوانين التي لا تحابي ظالماً، وبقوة الحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه. ففي الخضوع لناموس العدل الكوني، تكمن حرية الإنسان الحقيقية، وفي وحدة المستضعفين، تكمن نهاية الطغيان.

​(كاتب ومفكر عربي)

One Comment on “من بغداد وغزة إلى طهران وكراكاس: وحدة المصير الإنساني في مواجهة الطغيان الصهيو ـ أمريكاني- ​ محمد عزت علي الشريف”

  1. تتميز نبرة المقال بإدانة حادة وغاضبة تجاه “الطغيان الصهيو-أمريكي”، مع حماسة نبيلة تؤكد على وحدة المصير الإنساني كحتمية كونية، تجمع بين التحدي والأمل في العدل.الأسلوب الأدبييستخدم أسلوباً بلاغياً مرتفعاً يعتمد على الاستعارات الواسعة (كـ”قرصنة كاراكاس”، “هندسة الصمت”) والتكرار الإيقاعي لتعزيز الإحساس بالوحدة الوجودية، مع تداخل فلسفي يذكّر بالخطابة العربية الكلاسيكية.العناصر البارزةالنبرة: غاضبة نبيلة، تنتقد الصلف الاستعماري بلهجة تحررية.الأساليب: استعارة مكثفة، تساؤلات بلاغية، إيقاع شعري يربط الأحداث بـ”ناموس الوجود”.التأثير: يهدف إلى إثارة الوعي الجمعي عبر لغة شعبوية فخمة.

Comments are closed.