رهان عض الأصابع- كامل سلمان

في الصراعات الدولية الطاحنة كل طرف يعتقد بأن غريمه سيصرخ قبله ويتنازل بعد أن يفقد صبره وتنهار قواه ، هذا الرهان هو ما يسمى رهان عض الأصابع ، وقد تتقطع الأصابع ولا نسمع الصراخ بسبب العناد وبسبب جهل ودموية الحكام ، قديماً يقال بأن إعرابياً سأل عنترة أبن شداد من أين لك هذه الهيبة والشجاعة ؟ فأجابه عنترة من الصبر والتحمل بالمعارك ، لكي يوضح عنترة معنى الصبر بالمعارك قال للإعرابي ضع أصبعك في فمي وسأضع أصبعي في فمك و ليعض كل منا أصبع صاحبه فمن يصرخ أولاً يكون قد أعلن هزيمته ، حين بدأ النزال صرخ الإعرابي من الألم فقال عنترة لو صبرت قليلاً لصرخت أنا قبلك لكن صبري فاق صبرك وهذا هو سر هيبتي بين الناس وسر انتصاري . جميع الحروب الحالية في العالم ، الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإيرانية الإسرائيلية وحرب جنوب السودان والحرب في اليمن وحزب الله وحتى حروب الأنظمة مع شعوبها وغيرها وكذلك الحروب السابقة مثل الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج وافغانستان وايضاً الحروب القديمة في التأريخ ، لو تمعنا بها جيداً لوجدنا أن سر إستمرارها لفترات طويلة هو العناد والرهان على تحطم صبر الطرف المعادي والتنازل ، هي أذن حروب عض الأصابع أي أنها تخرج عن مسار أسبابها الحقيقية التي أشعلت الحرب وتتحول إلى عناد ، كل طرف من طرفي النزاع يراهن بأن العدو سيصرخ أولاً فيتم إعلان هزيمته ، كلهم أصبحوا يعرفون هذه اللعبة ويعرفون الرهان فكلهم يتألمون وشعوبهم تتألم واقتصادياتهم تنهار وبلدانهم تخرب واخلاقية مجتمعاتهم تسقط والفساد ينخر بلدانهم بل الأكثر من ذلك كل منهم يحاول أن يستشهد بأمثلة من التأريخ أو الواقع عن صبره الطويل وقدرته في العناد ، فالإنسان العربي يضرب مثلاً عن ذلك الأعرابي الذي ثأر لقتل أخيه بعد أربعين عاماً بأنه استعجل بالثأر والإيراني يقول بأنه يذبح البعير بقطعة من القطن وهذا دليل النفس الطويل والروسي يقول بأنه يمشي خمسة أيام ليصطاد سمكة وهكذا يقول الأخرون ، فكل واحد منهم يحاول أيجاد ما يبرر عناده ، فالكل يتأملون النصر بهزيمة العدو وصرخته أولاً ولا يوجد بينهم من يتحكم للمنطق وللعقل ويحسب حساب الأبرياء وكبار السن والأطفال والمرضى والتطلع إلى السلام ، بل العكس كل منهم يحاول الإيحاء لعدوه بأنه قاسي القلب ولا يعرف الرحمة ، هل هذا ذكاء أم تخلف أم حيوانية ووحشية ؟ قد يكون العناد والصبر والمطاولة قراراً مقبولاً عندما يكون خصمك بنفس قوتك أو أقل قوة ولكن عندما يكون العناد مع خصم يفوقك قوة وحجماً بأضعاف مضاعفة فهذا ضرب من الجنون ، أنظروا لليابان ماذا فعلت بنفسها عندما دخلت بعناد مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية ، وكيف انتهى المطاف بعناد هتلر ، أنظروا إلى صدام حسين ماذا فعل بالعراق عندما دخل بعناد مع المجتمع الدولي ، خذوا الأن مثلاً كوريا الشمالية التي تحدت الغرب والعالم وقامت بصناعة عدة قنابل نووية وصواريخ بعيدة المدى ، لكن النتيجة بعد أكثر من عشرين عاماً ، هذه كوريا الشمالية تعيش تحت حصار اقتصادي مدمر ، بلد متخلف على جميع المستويات ، شعب يعيش حياة القرون المظلمة ، بماذا نفعتها قنابلها النووية ، سيجلسون عشرات السنين أمام قنابلهم النووية لا يتحركون والعالم يتقدم حتى يأتي اليوم الذي سيقومون بتفكيك قنابلهم طوعاً من أجل لقمة العيش أو من أجل لقاح أو دواء ،، وكذلك الحال مع كوبا وفنزويلا ، المعاند دوماً يظن بنفسه خيراً وأكيد لا يكترث بما يصيب شعبه لأنه يؤمن أما هو أو من بعده الوطن تراب . أن المبدأ الذي وضعه عنترة قبل أكثر من خمسة عشر قرناً يصلح لمن يجهل قدرات عدوه فيجرب حظه بالعناد ، أما اليوم فهناك تقديرات دقيقة جداً لقدرات العدو العسكرية والاقتصادية والصناعية والتدريبية وحتى الاستخباراتية سواء أكان فرداً أو جماعة أو دولة ، وهذا يعني بأن عنادك وصبرك معروف لعدوك ومنظور حتى النهاية ، فقد يتوقع عدوك بالحسابات العلمية بأن صبرك وتهويلك الإعلامي سينتهي بعد سنة أو سنتين فيتركك تتصارع مع نفسك وتتألم لأنه قد ضمن النهاية ولكنك بالمقابل لا تعرف شيئاً عن عدوك وليس لك رهان على استسلامه بعد سنة أو أكثر كالراقد على فراش الموت ينتظر البقاء حياً يوماً أخر ، هل ستنفعك طريقة العناد التي أوجدها عنترة وأنت تعيش عالم يعتمد الحسابات الدقيقة . عقلية شخص بدوي مات قبل خمسة عشر قرناً لا يصح تعميمها ، فلننظر نهايات الصبر والعناد عند دول المنطقة وليتذكر الجميع بأن نهايات المعارك في هذا الزمن لا تنتهي بالصراخ مع وجود الأسلحة الفتاكة بل تنتهي بالكوارث والمآسي ، عندها لا ينفع الصراخ ، فالإذلال و كسر العظام نتيجة ، وليعلم الجميع بأن الصراخ اليوم هو ليس صراخ القادة والحكام الذين لا يسمعون صراخ شعوبهم التي تستغيث الويل من الحروب والجوع والموت .