من البعثِ الى الإستبداد والتكفير – بقلم : محمد ديب أحمد

ليست المشكلة أن تلدغك الأفعى ،
المشكلة أن تُقنعك السياسة الدولية بأنها تغيّرت ،
وأن يُطلب منك أن تمدّ يدك إليها مرةً أخرى .
ما كشفه الإعلامي إيلي ناكوزي حول امتناع قناة شمس عن بث اللقاء مع أبي محمد الجولاني لم يكن قراراً إعلامياً تقنياً ، بل موقفاً سياسياً وأخلاقياً .
فالرجل – كما نُقل – لم يحمل رؤية ، ولا مشروع حقوق ، ولا لغة تهدئة . كان الخطاب تصاعدياً ، تهديدياً ، قائماً على منطق الأوامر لا الحوار ، وعلى عقلية :
إما الامتثال … أو الحديد والنار .
أوامر دونكشوتية تُطلق من فراغ سياسي ، لكنها محمّلة بتاريخ طويل من العنف والغدر .
نحن هنا لا نتحدث عن زعيم مرحلة انتقالية ، ولا عن رجل دولة مؤقت ، بل عن امتداد صريح للفكر الجهادي الراديكالي ؛ ذلك الفكر الذي لم يعرف يوماً معنى الشراكة ، ولا يعترف بالتعدد ، ولا يرى في سوريا سوى غنيمة مؤجلة .
من استبداد البعث إلى توحّش العمامة
دفعت سوريا ثمناً باهظاً للحكم البعثي المركزي :
قمع ، إقصاء ، تذويب للهويات ، ومجازر مغلّفة بشعارات قومية .
 وحين انهار هذا النموذج ، ظنّ السوريون أن الأسوأ قد ولّى . لكن المأساة أن البديل المطروح اليوم ليس نقيض الاستبداد ، بل نسخته الأكثر بدائية ووحشية .
الفكر الجهادي لم يأتِ ليُنهي المركزية ، بل ليعيد إنتاجها بلغة دينية ، وبسيف أطول ، وبفتاوى أسرع في سفك الدم .
وخلال فترة قصيرة ، وحتى في أضعف حالاته ، ارتكب ما يكفي لفضح حقيقته :
في الساحل السوري : جرائم موثقة لا تخطئها العين ولا الكاميرا .
في دمشق : استهداف واضح لأحياء الدروز في صحنايا وجرمانا .
في السويداء : قتل على الهوية ، رمي أحياء من الطوابق العليا ، وإعدام مدنيين بعد سؤال واحد :
 ما دينك ؟
في الكنائس : تفجيرات في الأعياد والآحاد ، لأن المسيحي ليس من ثوبهم .
أي مشروع وطني هذا الذي يبدأ بفرز السوريين قبل أن يعترف بوطنيتهم ؟
الشيخ مقصود والأشرفية : حين يُحارب النموذج لا السلاح
بلغت الحقيقة ذروتها في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية .
مئات الدبابات والأسلحة الثقيلة في مواجهة بضع مئات من قوات الأسايش بأسلحة فردية .
عسكرياً ، لا تفسير لهذا الجنون .
سياسياً، التفسير واضح :
حقد على نموذج وحقدٌ على اللون الآخر والأفكار الأخرى  .
ونموذج الإدارة الذاتية هو العدو الحقيقي لهذا الفكر ، لا لأن الكورد مسلحون ، بل لأنهم أثبتوا أن سوريا يمكن أن تُدار بلا تكفير ، بلا إقصاء ، وبلا مركز يبتلع الأطراف .
أما اتفاق الأول من نيسان ، وخروج قوات قسد مقابل بقاء الأمن الداخلي ، لم يكن سوى محطة في ثقافة الغدر .
واليوم تعود التهديدات ، وتتجمّع الحشود ، لأن من لا يعرف معنى العهد لا يراه إلا استراحة قصيرة بين خيانتين .
الكورد : حلفاء الدم… ضحايا المصالح
نحن الكورد لم نكن يوماً فائضين عن الحاجة حين اشتعلت النار ،
لكننا كنّا دائماً أول من يُباع حين يجلس الكبار إلى طاولة المصالح .
يعرف العالم كله أن الكورد كانوا في الصفوف الأولى في مواجهة داعش وأخواتها .
 لم نقدّم خطابات ، بل قدّمنا أبناءنا .
آلاف الشهداء سقطوا كي لا تصل سكاكين الإرهاب إلى عواصم بعيدة تتغنّى اليوم بالأمن وحقوق الإنسان .
 وحين التقت المصالح الدولية ، أُغلق الملف الكوردي ببساطة مذهلة .
بيعنا … مراراً ، وبأبخس الأثمان .
نساؤنا ما زلن سبايا ،
مقابرنا الجماعية ما زالت تُكتشف ،
ومكافأتنا كانت :
 الخذلان ، التهجير ، والصمت الدولي الوقح .
العالم لا ينكر نبل أخلاق الكورد ، لكنه لا يحتمل نتائج هذا النبل .
يريدنا شهداء … لا شركاء .
لسنا ضحايا شفقة … بل أصحاب حق
نحن لا نطلب صدقة ،
ولا مسحاً على الرؤوس ،
ولا بيانات تعاطف باردة .
نحن نطالب بحقوق استُشهد من أجلها أبناؤنا .
نحن شعب يزغرد وهو يودّع شهداءه ، كما فعلنا اليوم في كوباني ، حين ودّعنا أبناءنا إلى مقبرة الشهداء ؛
وضعنا الحنّة على أكفّ شبابنا وبناتنا ، عرساناً ، ورؤوسنا مرفوعة .
لسنا جبناء ،
ولا منكسرين ،
ولا طارئين على الجغرافيا أو التاريخ .
هكذا هم أبناء بني قومي :
يموتون واقفين ،
ولا يساومون على كرامتهم .
الخاتمة :
 سوريا إما للجميع … أو لا تكون
سوريا اليوم على كفّ عفريت ، لكنها ليست بلا ذاكرة .
ولا مستقبل لسوريا تُبنى على التكفير ،
ولا أمان في دولة ترى التنوع خطيئة ،
ولا استقرار مع وحوش تطلب منا أن نصدق أنها خلعت أنيابها .
الكورد ، والإدارة الذاتية ، وكل من آمن بسوريا المتعددة ، ليسوا تفصيلاً عابراً ، بل هم الاختبار الحقيقي لمستقبل هذا البلد .
وسوريا إما لكل أبنائها …
أو سيبقى الدم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها دعاة الخراب والتكفير .
بقلم : محمد ديب أحمد