إسبانيا والعالم الإسلامي.. تداعيات تاريخية – د. قبات أحمد

 

لقد كانت الإندلس تجربة إيجابية للغاية في سياقها التاريخي، أي العصور الوسطى، فيما يخص العلاقات بين الإسلام والغرب، ومن الواضح تاريخياً أن إمكانية قيام مكان خيالي كجمهورية أفلاطون لم يكن له وجود في أي مكان على مر الأزمان. لقد كان الاتصال الأول بين شبه الجزيرة الإيبيرية والإسلام كان من خلال عمل عسكري وقع قبل نحو ثلاثة عشر قرناً، هنا، أنا لا أنوي أن أشرح الأسباب الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لمثل هذا العمل في كل من العالم الإسلامي وشبه الجزيرة الأيبيرية؛ لأن هذا قد يكون له تفسيرات وتأويلات مختلفة حسب خلفية المؤرخ الفكرية الذي يريد التحقيق في هذ الحدث التاريخي، على أي حال، في القرون الوسطى، أيبيريا أوالإندلس كما يحلو كثيراً لعدد كبير من المؤرخين أن يطلقوا عليها هذا الاسم؛ على الرغم من أن هذا المصطلح يسبب حساسية خاصة من قبل اليمين الإسباني المحافظ، وأيضا لقوات الأمن الإسبانية لأسباب سياسية بحتة؛ حيث يستخدمونه أحياناً لخلق حالة من الذعر والخوف من المسلمين في المجتمع، وأيضاً لخلق عدو محتمل.

حظي تاريخ الإندلس (الاسم الإسلامي الذي أُطلق على شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن السابع الميلادي) باهتمام بحثي واسع النطاق في العقود الأخيرة، لا سيما جوانبه السياسية والاقتصادية والعلمية المتنوعة. ورغم شهرة الإندلس بتنوعها الاجتماعي، إلا أن هذا الجانب لم يُدرس بالقدر الكافي؛ إذ لم تتناول سوى بضعة كتب التاريخ الاجتماعي للإندلس عمومًا، كما أشار غيشارد مرارًا في مقاله (غيشارد، كما ورد في جيوسي، المجلد الثاني، 1992، الصفحات 679-707)، مع العلم أن هذا الرقم محل نقاش.

شكّل احتلال المسلمين لإسبانيا (الاسم القوطي الغربي لشبه الجزيرة الأيبيرية) عام 711 ميلاديًا بداية عهد جديد في تاريخ شبه الجزيرة، لا يزال صداه يتردد حتى يومنا هذا. وقد أثارت التفسيرات المختلفة لهذه الأحداث – من وجهات نظر تقليدية (مثل سانشيز ألبورنوز وإغناسيو أولاغي) إلى وجهات نظر أكثر حداثة (مثل أمريكو كاسترو وبيير غيشارد) – نقاشًا تاريخيًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية الإسبانية.

من الناحية الاجتماعية، جادل هؤلاء المؤلفون التقليديون بأن الفتح العربي/البربري لإسبانيا لم يكن ذا أهمية كبيرة ولم يؤثر على الحياة الاجتماعية والثقافية للسكان المحليين. وأوضح ألبورنوز أن سكان شبه الجزيرة استمروا في ممارسة تقاليدهم المسيحية حتى القرن الحادي عشر الميلادي. ولم يبدأ الحكام الجدد بفرض سياسات صارمة على المجتمعات الأخرى/غير المسلمة إلا عندما احتل المرابطون الإندلس بعد سقوط الخليفة الأموي، وعندها فقط انقطعت مسيرة التقاليد المسيحية والاستمرارية التاريخية. جادل كاسترو بأن الاحتلال العربي لشبه الجزيرة الأيبيرية كان واقعًا اجتماعيًا ملموسًا، وأن هذا الواقع شكّل الهوية الإسبانية، وميّزها عن الهويات الأوروبية الأخرى حتى يومنا هذا (غيشارد، 2001، ص 57). في الحقيقة، لا أرغب في الخوض أكثر في هذا النقاش، لأنه ليس محور هذه المقالة.
لقد كانت الإندلس تجربة إيجابية للغاية في سياقها التاريخي، أي العصور الوسطى، فيما يخص العلاقات بين الإسلام والغرب، ومن الواضح تاريخياً أن إمكانية قيام مكان خيالي كجمهورية أفلاطون لم يكن له وجود في أي مكان على مر الأزمان، ولكن في الحالة الإندلسية، الانسجام بين الثقافات، والتعايش بين الديانات الثلاث كانت من الحقائق التاريخية، بحيث كان من الصعب جداً تجاهله أو إنكاره. هذا لا يعني أن هذه التجربة لم يكن لديها عيوبها مثل أي مجتمع إنساني آخر؛ حيث الهياكل الاجتماعية المختلفة بالإضافة للتنوع العرقي والثقافي الذي غالباً ما يخلق تحديات خطيرة لمثل هذا التعايش. الأندلس قدمت للحضارة الغربية أفضل حقول المعرفة من الطب إلى الفلسفة، من خلال ترجمة التراث اليوناني بالإضافة إلى إسهامات العلماء المسلمين في هذا المضمار، ولكن وعلى الرغم من هذه الحقيقة التاريخية، غالباً ما يتم تجاهل هذه المساهمة الحضارية من قِبل اليمين الإسباني.

من هذا التاريخ الإندلسي الغني يمكن استخلاص تجربة جيدة بخصوص التفاهم والاحترام المتبادل بين إسبانيا والعالم الإسلامي، بل وربما بين الغرب والإسلام، آخذين المستجدات العصرية بعين الاعتبار، لسوء الحظ، هناك سوء فهم حول هذا الماضي من قِبل العديد من المؤرخين الإسبان من ذوي التوجه المحافظ في الوقت الحالي، هناك عدد قليل من الذين يدركون قيمة هذا الماضي بموضوعية، وربما التوترات السياسية الراهنة في مختلف أرجاء العالم الاسلامي هي المسؤولة عن هذه الظاهرة. العلاقات بين إسبانيا والعالم الإسلامي اليوم إجمالاً تعمها السطحية، بحيث يمكن أن نصف هذه العلاقات من وجهة نظر اقتصادية فقط، وخاصة مع دول الخليج، وبالتالي هي ليست علاقات متكاملة، مثلاً لم تظهر الطبقات السياسية الإسبانية المختلفة رغبة حقيقية في تقوية العلاقات مع دول شمال إفريقيا على الرغم من الجوار الجغرافي والماضي المشترك.

حتى فيما يخص مبادرة حوار الحضارات بين الرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء الإسباني السابق ثاباتيرو برعاية الأمم المتحدة إنما كانت تعبر عن سطحية هذه العلاقات على الرغم من أن المبادرة إيجابية ومثيرة للاهتمام بحد ذاتها، إلا أن هذه المبادرة ليست لها قاعدة ثقافية واجتماعية في المجتمع الإسباني. للأسف، بل هو عمل سياسي لخدمة أجندات سياسية يمكن أن تختفي تماماً مع تغيير الحكومة، سواء في تركيا أو إسبانيا.

أما بخصوص الموقف الإسباني تجاه ثورات الربيع العربي، فهو موقف محير وضد التطلعات الشعبية في الحرية لهذه الشعوب إجمالاً. إسبانيا لديها صداقات جيدة على المستوى الحكومي مع الأنظمة الملكية العربية، ولذلك لا تشجع كثيراً هذه التعبئة الشعبية، بل على العكس، فإسبانيا عرضت مأوى لبعض الديكتاتوريات العسكرية العربية، في الوقت الذي تمارس فيه الضغط على الأنظمة الديكتاتورية في أميركا اللاتينية لبدء إصلاحات ديمقراطية، لماذا التزمت إسبانيا الصمت في مكان والمطالبة بصوت عالٍ في مكان آخر؟ إذن فالموضوع ليس في الديمقراطية نفسها، ولكن في السياسة. إسبانيا يجب أن تقر بمسؤوليتها التاريخية تجاه أميركا اللاتينية؛ لأنه من هذه القارة أخذت الكثير من الذهب والفضة على مدى قرون. هذه الثروات اللاتينية أوجدت قاعدة صلبة للاقتصاد الإسباني الحديث، وعلى إسبانيا أن تنظر إلى أميركا اللاتينية من هذا المنظور، وليس من منظور أميركي أو أوروبي بحت.

وأخيراً، فإن العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم الإسلامي لا تعكس ثراء ماضيها، الآن هو الوقت المناسب لبدء علاقات حقيقية جديدة مبنية على العامل الاجتماعي والثقافي والفكري والسياسي والاقتصادي وأعادة التفكير بالتجربة التاريخية الأندلسية ضمن السياقات الحالية المعاصرة.