هل كان بالإمكان تحقيق أكثر مما تحقق ؟
سؤال يبدو في ظاهره مشروعاً ، لكنه لا يصبح مفيداً إلا إذا وُضع في سياقه السياسي الواقعي ، بعيداً عن العاطفة والمزايدات ، وقريباً من ميزان القوى وحسابات اللحظة الإقليمية والدولية .
سواء شئنا أم أبينا ، فإن ما أُعلن مؤخراً من تفاهمات بين سلطة دمشق والقيادة الكردية المتمثلة بالقائد مظلوم عبدي ورفاقه ،
يتجاوز الخطاب التقليدي عن شمال شرقي سوريا وأخوة الشعوب ، ويدخل عملياً في إطار اعتراف سياسي هادئ بخصوصية إقليم روج آفا ، حتى وإن لم يُصَغ بعد بصيغة دستورية نهائية .
صحيح أن التفاصيل الدقيقة لم تُعلن بعد ، وصحيح أن التجربة السورية تفرض الحذر ، لكن الخطوط العريضة التي ظهرت للعلن تحمل دلالات لا يمكن التقليل من شأنها إذا تحدثنا بلغة العقل لا بلغة الانفعال .
أولى هذه الدلالات هي وقف الأعمال القتالية ، وهو مكسب استراتيجي بحد ذاته بعد سنوات من الاستنزاف والدم .
فالسياسة تبدأ حين يتوقف نزيف الدم ،
لا حين يُمجَّد .
يلي ذلك بقاء القوات الكردية كتلة واحدة متماسكة ، مع استمرار دور قوات الأسايش كجهاز أمني منظم ، وهو ما يدحض عملياً كل سيناريوهات التفكيك أو الإلغاء القسري .
أما الاعتراف بالمدارس والجامعات والشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية ، فليس تفصيلاً إدارياً عابراً ، بل إقرار سياسي بمنظومة مؤسساتية وهوية تعليمية وثقافية نشأت في ظروف شديدة القسوة ، ورسّخت نفسها كواقع لا يمكن تجاوزه .
ولا يمكن قراءة هذا الاتفاق بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي .
فالترحيب الواضح من القادة الكرد ، وفي مقدمتهم السيد مسعود البرزاني ،
ومواقف قيادة إقليم كردستان ، إلى جانب الدور الفرنسي ، والأصداء الإيجابية من الكونغرس الأمريكي ، فضلاً عن قبول أغلب الدول المؤثرة في المشهد السوري ، كلها مؤشرات على أن التفاهم لم يكن معزولاً أو هشّاً ، بل جاء نتيجة تقاطعات مصالح ورعاية سياسية محسوبة .
الأهم من كل ذلك هو البعد الإنساني المباشر :
– فك الحصار عن كوباني ،
– فتح الطريق أمام عودة المهجّرين إلى عفرين وسري كانيه .
هنا تنتقل السياسة من لغة البيانات إلى لغة الحياة اليومية ، ومن حسابات النخب إلى هموم الناس وحقهم في الأمن والاستقرار .
من هذه الزاوية ، فإن اعتبار ما جرى اعترافاً عملياً من سلطة دمشق بإقليم روج آفا ليس مبالغة ،
بل قراءة واقعية لمسار بدأ ولن يتوقف عند هذه النقطة .
والمؤكد أن الحقوق في السياسة لا تُمنح دفعة واحدة ، بل تُنتزع وتُراكم خطوة بعد أخرى ،
وخطوة الألف ميل تبدأ فعلاً بميل .
ولذلك المرحلة المقبلة لا تحتمل الخطاب العاطفي ولا الشعارات المرتفعة السقف ، بل تتطلب عقلاً سياسياً راجحاً ومرجعية كردية موحدة .
وفي هذا السياق ، تبرز أهمية المرجعية الكردية وكونفرانس قامشلي في أبريل بوصفهما الإطار الذي يمكن أن تُبنى عليه الخطوات اللاحقة لتحقيق الأهداف الوطنية ضمن معادلات إقليمية ودولية معقدة .
الخلاصة ليست في السؤال :
هل كان بالإمكان أكثر ؟
بل في القدرة على حماية ما تحقق ، وتطويره ، ومنع التفريط به تحت ضغط الانفعال أو سوء التقدير .
ما جرى ليس نهاية الطريق ،
بل بداية مرحلة جديدة :
أقل دموية ،
أكثر عقلانية ،
وأقرب إلى منطق السياسة ومصالح الشعوب .
وفي لحظة كهذه ، قد يكون الصبر السياسي الواعي هو الشكل الأذكى ،
وربما الأقوى ، من أشكال النضال .


السيد محمد ديب أحمد المحترم.
تحية.
أشكرك على تنويرنا بمقالاتك الموضوعية دوما.
“روج آفا” = الغرب = The West.
للاطلاع:
https://sotkurdistan.net/2026/01/19/%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%88%d9%84%d9%88%d8%a7-%d8%a5/.
محمد توفيق علي
الشكر لكم على المتابعة والاهتمام ، ويسعدني أن يكون الطرح محل نقاش وتفاعل .
ويسعدني قراءتكم وتفاعلكم ،و هو غاية أي كتابة .