فساد الدولة من فساد الشعب- كامل سلمان

لا توجد دولة فاسدة وشعب غير فاسد ، وكما يقول المثل العراقي هذه الخبزة من هذه العجينة ، وإذا لم يكن الشعب فاسداً فأن الأفكار التي تقوده وتعشعش في عقول الناس أفكاراً فاسدة نتنة . المشكلة أن السواد الأعظم من الناس لا يعرفون بأنهم فاسدون بأفكارهم ومعتقداتهم ولا يعرفون معنى فساد المفاهيم والأفكار وغالباً ما تكون هذه الأفكار الفاسدة متوارثة مع العادات أو مع الدين ، فهي معجونة بدماء الناس دون أن يشعرون بها ، فعندما تبرز إلى السطح حكومة فاسدة يصابون بالصدمة ويحتارون في معرفة مصدر هذا الفساد ، فيفكرون بكل الاحتمالات ويستثنون أنفسهم ، لننظر إلى تأريخ العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 م ولحد يومنا هذا سنلاحظ الفساد علامة مميزة لجميع الحكومات ، هل هي صدفة أم نتيجة طبيعية لابد منها ؟ نحن ندرس كل الاحتمالات ونجري دراسات عن أسباب الفساد ونقارن أنفسنا بالمجتمعات المتقدمة ونغوص ونبحر في كل شيء لكشف الحقيقة لكن أنفسنا معفية من الدراسة والتحليل ، الدكتور الباحث علي الوردي أفضل من بحث وكتب عن أنفسنا من جانب اجتماعي ضيق لكنه لم يوفق في توسيع أفق نظرته في مجال الفساد ومجالات حياتية أخرى . بالمختصر نحن شعب طيب مسكين سجيتنا نظيفة معدننا أصيل قلوبنا نقية لكن أفكارنا فاسدة وملوثة بكل أنواع الفساد بل وأقذرها . الخوف من السلطة هو فساد للعقول ، تبجيل شيخ العشيرة وتبجيل رجل الدين فساد للعقول ، عندما نتداول المثل الشعبي (حشر مع الناس عيد ) هذه مفسدة للعقول ، الفراغ بين الشعب والحكومة هو فساد ، اعتبار أموال الدولة هي ملك الدولة وليست ملك الشعب هو فساد ، التزلف لصاحب الثروة وصاحب المنصب وصاحب القوة فساد عقلي وأخلاقي ، التباهي بالسلوكيات العدوانية فساد ، اعتبار بعض الناس سادة علينا فساد فكري ، الاهتمام بعيوب الآخرين فساد اخلاقي ، احتقار دور المرأة وتصغير أهمية الطفل هو فساد ، السكوت على الفساد هو فساد تربويي بحد ذاته ، العشائرية والطائفية والاعتقاد بالخرافات كلها فساد للعقول ، الولاءات لهذا وذاك فساد للعقول ، وهكذا لو أحصينا عشرات السلوكيات المنحرفة كلها فساد متوارث ، إذاً الفساد ممزوج بدمائنا. نعيب شعوب الأرض بأننا أول من أوجد القراءة والكتابة وأكثرنا لا يقرأ ولا يكتب ، نفرح بما عندنا ولا نحزن بما ليس عندنا . فمن يخرج من وسطنا يحمل هذه الأفكار الفاسدة ويصبح جزءاً من منظومة السلطة سيكون بحكم المؤكد فاسد ، فلماذا الاستغراب ؟ الفارق بين المسؤول الفاسد والمواطن الفاسد هو الأول مستفيد من فساده والثاني متضرر من فساده ، وهنا الكارثة عندما يكون المواطن فاسداً في تفكيره وهو متضرر منه ورغم ذلك يتمسك به ويحسبه مفخرة . الناس تستغرب كيف أصبح هذا الفاسد في السلطة ! . بعد كل هذا الإيضاحات لماذا نتحدث عن فساد الدولة ونغض الطرف عن الفساد الخفي في العقول والأخلاق عند الناس ؟ ما نسمعه يومياً من اعتداءات على النساء وعلى الأطفال وتحرشات جنسية وظاهرة الرشوة وشيوع ممارسة الشعوذة والتوتر النفسي في البيت وفي العمل وفي الشارع هي من أفرازات الفساد التي تغطي العقول . لا يوجد علاج سحري لعلاج فساد العقول والأفكار لكن يوجد علاج واقعي معمول به في الدول المتقدمة هو الإعتراف أولاً بفساد عقولنا وأفكارنا وثقافتنا ، ويجب الاعتراف أيضاً بأن هناك نقص ثقافي مزمن رهيب عند الناس . على كل عاقل ومثقف وأكاديمي وكل إنسان حر أن يترجم الحقائق إلى الواقع ويصرخ بوجه الفساد ويقول كفى تدميراً للبلد كفى تخريباً للعقول ، وللعلم فأن واحدة من أكبر مزايا المجتمع الفاسد هو الخوف المفرط من السلطة وسهولة شحن الناس عاطفياً وسرعة الاستسلام ، لذلك كان الحكام على طول التأريخ يعمدون على إخافة الناس بأساليبهم المختلفة . لا يوجد حاكم في تأريخنا لم يخافه الناس ولا يوجد دين وأئمة للدين نجحوا من دون زرع الخوف في قلوب الناس ولا يوجد رجل أمن وموظف في الدولة لا يمثل مصدر خوف ، المجتمع الفاسد طينة بيد الحاكم الفاسد . قد يكون هذا الكلام كلام ثقيل على بعض الناس لكنه ليس من وحي الخيال ولا يمثل انتقاصاً للمجتمع ، إنه الواقع الذي ينطق بلسانه ، أنه القيح الذي لابد أن ينفجر ، لقد كرهنا أنفسنا من الفساد الذي يحيط بنا من كل جوانبنا وكأننا وسط مستنقع يريد أن يغرقنا بمياهه الملوثة ومازال الناس في سكرتهم غير مدركين بما يحيط بهم وكأنه مكتوب على جبين هذا المجتمع أن يبقى أبد الدهر بين الحفر .