ما يجري في سوريا اليوم لا يمكن توصيفه كمسار تسويات حقيقية ، بقدر ما هو إدارة مؤقتة للأزمات عبر اتفاقات هشّة ، وُلدت في ظل اختلال واضح في موازين القوى .
التجربة السورية أثبتت أن معظم هذه الاتفاقات لا تقوم على توافق سياسي ، بل تُستخدم كأدوات لشراء الوقت ، سرعان ما يجري الالتفاف عليها أو تفريغها من مضمونها عند أول تغيّر في المصالح .
في قلب هذا المشهد ، تبرز تركيا بوصفها الطرف الأكثر عداءً لأي مسار يمنح الكرد موقعاً سياسياً أو حقوقياً، حتى وإن كان محدوداً .
أنقرة لا تتعامل مع الكرد السوريين كجزء من النسيج الوطني، بل كتهديد استراتيجي ممتد، تخشى من انتقال أثره إلى داخل حدودها.
من هنا، لم تتردد في تعطيل أي تقارب سوري–سوري، وفي الاستثمار المنهجي في الفوضى والانقسام، مستخدمةً شعارات “الأمن القومي” و“مكافحة الإرهاب” كغطاء لسياسات توسعية باتت مكشوفة الأهداف.
تركيا، بخبرتها الطويلة في إدارة الصراعات بالوكالة، لا تبحث عن ذرائع بقدر ما تصنعها؛ فهي تقضم الأرض أولاً، ثم تبحث عن التبرير السياسي لاحقاً.
وفي ميزان المصالح الإقليمية، لا يمكن للكرد أن يضعوا أنفسهم في كفّة تقابل دولة بحجم تركيا، لأن النتيجة معروفة سلفاً:
المصالح الثقيلة تطغى،
والحقوق تُرحّل أو تُهمّش.
أما الولايات المتحدة، فقد أكدت مرة أخرى أنها شريك ظرفي لا حليفاً استراتيجياً. الحرب على تنظيم داعش كشفت حقيقة ثابتة:
التضحيات الكردية، مهما عظمت، لا تتحول تلقائياً إلى التزامات سياسية.
الانسحابات المفاجئة، وتبدّل الأولويات، وإدارة الظهر للحلفاء عند أول تقاطع مصالح مع أنقرة أو دمشق، ليست أخطاء تكتيكية، بل جزء من عقيدة سياسية أميركية ترى في المنطقة ساحة مصالح لا ساحة شراكات.
وفيما يتعلق بدمشق، فإن الحذر ليس موقفاً عدائياً، بل قراءة واقعية للتاريخ السياسي.
دولة لم تعترف يوماً بالحقوق القومية للكرد، ولا بخصوصيتهم الثقافية والسياسية، لا يمكن التعامل معها بمنطق الثقة السهلة.
أي تقارب مع المركز يجب أن يُدار بعقل بارد وضمانات واضحة، لأن النظام السوري أتقن عبر عقود لعبة كسب الوقت، وإعادة إنتاج المركزية ذاتها بأشكال مختلفة.
وسط هذه الثلاثية المعقّدة – تركيا، الولايات المتحدة، دمشق – اختار الكرد الخيار الممكن، حفاظاً على ما تحقق من مؤسسات وقوة عسكرية وإدارية، والسعي إلى تثبيت حقوق ملموسة عبر السياسة والحوار، لا عبر حرب مفتوحة يدفع ثمنها المجتمع قبل أي طرف آخر.
غير أن المتغير الأهم في هذه المرحلة يتمثل في وحدة الموقف الكردي. ما شهدناه من خروج الكرد في مختلف أجزاء كردستان، وفي الشتات، تحت علم واحد وكلمة واحدة دعماً لروج آفا، ليس حدثاً عاطفياً عابراً، بل تحوّل سياسي غير مسبوق.
وللمرة الأولى في التاريخ الكردي الحديث، تتقدم القضية الجامعة على الحسابات الحزبية والجغرافية، ويتحوّل التضامن الشعبي إلى عنصر قوة في المعادلة السياسية.
هذه الروح انعكست أيضاً في خطاب القادة الكرد، وفي إدراك متزايد بأن الانقسام لم يعد خياراً، وأن المعركة الحقيقية ليست داخل البيت الكردي، بل مع منظومة إقليمية ودولية ترى في أي مكسب كردي خطراً يجب احتواؤه.
الكرد اليوم لا يراهنون على وعود الخارج، ولا على أخلاقيات السياسة الدولية، بل على وحدة صفهم، وتنظيم قوتهم، والبناء على ما تحقق.
وفي مثل هذه الظروف، تبقى وحدة الكلمة الكردية المكسب الاستراتيجي الأهم، والأساس لأي استحقاق سياسي قادم .

