مواجهة الحرب النفسية  – د. عبدالباقي مایی

 

٥\٢\٢٠٢٦

 

مما لاشك فیه أن الحرب النفسية لها جذورها ومحلها المهم ضمن أساليب الحروب، ولها تأثيراتها علی مجرى الحروب ومساراتها ومصيرها.

لانرىد هنا أن نطیل فی الحدیث عن تأريخ وتصنيف ومعالجة الحرب النفسية فهی وإن كانت تمس إختصاصی فقط من جانب واحد فی الطب النفسی للأطفال والشباب ولكن هذا الحقل يعتمد علی علم واسع النطاق فی المبادئ العسكرية والمخابراتية و إن كان الهدف من دراسته هو التكوين الشخصي للفرد والمجتمع بإعتبار هذا التكوين يشمل محتويات علم النفس وأدواته. ولكنها لاتستعمل إیجابیا لصالح الفرد والمجتمع بل سلبا لإضعاف المعنويات وجر الفرد إلی تفكير جانبي سلبي غیر مفید ولا بناء لا لمصلحته الشخصية ولا للمجتمع الذی یجد نفسه فی حالة حرب بحیث یجعلهم ینشغلون بأمور غیر واقعیة تمیل إلی التوقعات والتنبؤات السلبية التی قد ترتبط بالواقع من جهة سلبياته وتبعده عن الانخراط فی صفوف الدفاع النفسی والشراكة الفعلية مع الأهل والأقارب فی مواجهة الخصم.

تُعد الحرب النفسية “حرب العصور” وأخطر أنواع الصراعات، فهي لا تستهدف الأبدان بل العقول والقلوب، وميدانها هو الوعي والسلوك البشري. هي الاستخدام المخطط للدعاية (البروباغندا) والعمليات النفسية للتأثير على آراء وعواطف ومواقف وسلوك الخصم بطريقة تخدم الأهداف الاستراتيجية للطرف المهاجم. يُطلق عليها أيضاً “حرب الأعصاب”، “حرب الأفكار”، أو عمليات “كسب القلوب والعقول”.

تتميز هذه الحرب بصفات تجعلها “سلاحاً صامتاً” فتاكاً، ومن أهم خصائصها:

١\ تحطيم المعنويات لا الإقناع: لا تهدف الحرب النفسية إلى إقناع العدو بصحة وجهة نظرك، بل إلى كسر إرادته القتالية وإفقاده الثقة بنفسه وبقيادته.

٢\ التوجيه نحو الخصم: تُصنف كفعل قتالي بحت يستهدف العدو (عسكريين ومدنيين) لزعزعة إيمانه بمبادئه وتصوير أهدافه على أنها مستحيلة التحقيق.

٣\ الاستمرارية والشمول: لا تقتصر على وقت المعركة العسكرية فقط، بل قد تسبقها لتمهيد الأرض، وتستمر بعدها لتكريس الشعور بالهزيمة.

٤\ استغلال نقاط الضعف البشرية: تعتمد على دراسة علمية دقيقة لمخاوف الخصم، وعواطفه مثل القلق، واليأس، والذنب، واستغلالها بشكل منهجي.

٥\ المرونة في الأساليب: تستخدم تشكيلة واسعة من الأدوات بدءاً من الشائعات، والمنشورات، وصولاً إلى الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي لبث الإحباط.

٦\ التكلفة المنخفضة: إخضاع الشعوب بالوسائل النفسية أرخص بكثير من استخدام القوة العسكرية المباشرة التي قد لا تتحمل تكاليفها حتى الدول العظمى.

تتطلب مواجهة الحرب النفسية بناء حصانة فكرية واجتماعية تمنع اختراق الوعي فی الجبهة الداخلية. يمكن تقسيم الأساليب الدفاعية إلى مستويات:

  1. الأساليب المعرفية والإعلامية:
  • كشف الزيف :الاعتماد على مصادر موثوقة للتحقق من الأخبار قبل تداولها، وعدم تصديق ما لا يمكن إثباته.
  • التوعية الاستباقية:تدريب الأفراد على التمييز بين المعلومات الحقيقية و”المعلومات المسلحة” التي تهدف للتلاعب بالعواطف.
  • تحليل الشائعات:تفكيك الإشاعة فور ظهورها وتوضيح أهدافها الخفية للجمهور لتقليل تأثير “الفيروس المعلوماتي”. 
  1. الأساليب النفسية الفردية:
  • تقوية المرونة النفسية:تعزيز الثقة بالنفس وبالأهداف الوطنية، والتدرب على التحكم في المشاعر مثل الخوف والغضب حتى لا تتحول إلى ردود فعل تخدم الخصم.
  • الوعي بآليات الدفاع اللاشعورية:فهم كيف يحاول العقل حماية نفسه من القلق، وتجنب السلوكيات الدفاعية السلبية كالإسقاط أو التشويه.
  • التوازن المعيشي:الحفاظ على الصحة البدنية والنفسية؛ حيث أثبتت الدراسات أن النشاط البدني يعزز التفكير النقدي والقدرة على كشف البروباغندا.
  1. الأساليب الاجتماعية والمجتمعية:
  • تعزيز التماسك الاجتماعي:تقوية الروابط بين أفراد المجتمع والمؤسسات الوطنية (القوات المسلحة، الدفاع المدني، الأسرة) لقطع الطريق على محاولات التفتيت.
  • المشاركة الشاملة:اتباع نهج “المجتمع ككل” لزيادة المرونة الجماعية في مواجهة المحتوى المضلل والذكاء الاصطناعي.
  • الشفافية الرسمية:سد الفجوات المعلوماتية التي تستغلها الحرب النفسية من خلال تمليك الجمهور الحقائق أولاً بأول.