في لحظات التعب الجماعي ، حين تتكاثف الأسئلة ويضيق الأفق ، تحتاج الشعوب إلى ما هو أبسط من الوعود ، وأصدق من الشعارات ؛
تحتاج إلى كلمة تُعيد ترتيب الثقة ، وإلى موقف يذكّرها بأن التضحيات لم تكن عبثاً ، وأن المستقبل مهما بدا قاسياً ما زال قابلاً لأن يُكتب بإرادة صادقة وأيدٍ نظيفة .
روج آفا ،
التي دفعت وما زالت تدفع أثمان الصمود من دم أبنائها ، لا تبحث اليوم عن معجزات سياسية ، بل عن مسؤول يرى في المنصب أمانة لا مكافأة ، وخدمة لا امتيازاً .
ومن هنا ، تأتي بعض الكلمات لتقول إن الطريق ، مهما طال ، لا يزال مفتوحاً ، وإن شدّ الأزر يبدأ حين تسبق المواقفُ المناصب ، وحين يلتقي الصدق بالإرادة .
في زمنٍ أثقلته الخيبات ، واعتاد فيه الناس أن يروا المسؤول من خلف الأبواب الموصدة ، جاء تصريح السيد نور الدين عمر ، الذي عُيّن رسمياً محافظاً لمدينة الحسكة ، في لقاءٍ إعلامي مع قناة روداو ، ومن داخل منزله ، ليكسر هذا النمط المألوف قبل أن يبدأ عمله فعلياً .
قال ببساطة ووضوح إن باب مكتبه سيكون مفتوحاً لكل الشعب ،
بل أوسع من باب منزله ، وأضاف عبارة تختصر الكثير من المعنى والمسؤولية :
« إن لم أكن عند كلمتي ، فأنا أخون الشهداء ».
هذه ليست جملة عابرة ، ولا خطاباً استباقياً للاستهلاك الإعلامي ، بل موقف أخلاقي صادر عن رجل يعرف تماماً معنى الشهادة ، لا بوصفها شعاراً ، بل بوصفها وجعاً يومياً .
فهو أبٌ لشهيد ،
وأخٌ لشهيد ،
وعمٌّ لشهيد ، وخالٌ لشهيد ،
ومن عائلة قدّمت ثلاثة عشر شهيداً للوطن .
هنا تتراجع البلاغة ،
ويتقدّم الصدق .
الفرحة التي عمّت الحسكة ، وقامشلو ، وكل روج آفا ، لم تكن مرتبطة ببدء ممارسة الصلاحيات ، بل بالكلمة التي سبقت المنصب ، وبالإحساس بأن من تمّ اختياره للمسؤولية هو واحد من الناس ، يشبههم ، ويحمل ذاكرتهم الجماعية ، ويفهم معنى أن تكون السلطة امتداداً للألم والأمل معاً .
غير أن هذه الكلمة الصادقة ، بما تحمله من أمل ، تضع في المقابل مسؤولية لا تقل أهمية على عاتق المجتمع نفسه .
فنجاح أي تجربة إدارية نزيهة لا يقوم على شخص واحد ، مهما كان قريباً من الناس وصادق النية ، بل يحتاج إلى مساندة الشعب بكل كوادره ، ومؤسساته ، ونخبه عبر التعاون والمشاركة ، والتقويم ، وتخفيف الأثقال ،
لا تركها تتراكم على كتفي مسؤولٍ واحد .
نور الدين عمر لا يُقدَّم اليوم بوصفه محافظاً بدأ ممارسة عمله ، بل بوصفه إنساناً أعلن ، منذ اللحظة الأول أن المنصب أمانة لا امتياز وأن خيانة الشهداء لا تكون فقط بالسياسة ، بل بالابتعاد عن الناس .
ومن هنا فإن الوقوف إلى جانبه ومساعدته على أداء هذه الأمانة ، هو واجب أخلاقي ووطني بقدر ما هو حق شعبي .
حين تُقال هذه الكلمات من داخل بيتٍ يعرف الفقد ،
فإنها تتحول من وعدٍ إلى التزام أخلاقي ،
ومن تصريحٍ إعلامي إلى عقدٍ غير مكتوب مع الشارع ،
عقد لا يقوم على الثقة العمياء ،
بل على الشراكة والمسؤولية المتبادلة .
في الحسكة اليوم ، لا يحتفل الناس بإجراء إداري ، بل بفكرة :
أن المسؤول يمكن أن يكون ابناً للشعب قبل أن يكون ممثلاً عنه ،
وأن الثقة تبدأ بالكلمة الصادقة وتستمر بالفعل المشترك ،
وأن دماء الشهداء لا تُستحضر في الخطب ، بل تُصان في السلوك والممارسة اليومية .
ولهذا تعجز الأقلام ،
لا لأن الموضوع أكبر من الكتابة ،
بل لأن الصدق حين يكون واضحاً ،
لا يحتاج إلى كثير شرحة.

