روج آفا بين اختبار الضمير ومنطق المصالح – بقلم : محمد ديب أحمد

في السياسة تتبدل المصالح ، وهذه حقيقة لا يجادل فيها أحد .
لكن ما لا يمكن اعتباره أمراً طبيعياً هو أن تتحول تضحيات الحلفاء إلى بند تفاوضي في صفقة عابرة .
لم يكن مقاتلو روج آفا تفصيلاً عسكرياً في حربٍ مؤقتة ، بل كانوا الركيزة الأساسية في المواجهة مع أخطر تنظيم إرهابي عرفه العالم في العقد الأخير . حين كان الإرهاب يهدد مدناً بعيدة خلف البحار ، كان شباب هذه المنطقة يقاتلون في الخطوط الأمامية ،
 لا دفاعاً عن أرضهم فحسب ، بل دفاعاً عن استقرار إقليمي ودولي كامل .
هذه ليست رواية عاطفية ، بل حقيقة موثقة في تقارير التحالف الدولي نفسه .
اليوم يدور في أروقة  الكونغرس الأمريكي نقاش جدي حول ربط أي انفتاح على دمشق بضمانات واضحة لحماية الأقليات ، وعلى رأسها الكورد .
هذا النقاش ليس تفصيلاً ، بل مؤشر على أن القضية لم تُختزل بعد في منطق الصفقة البحتة ، وأن داخل المؤسسات الأمريكية تيارات ترى في حماية الشركاء المحليين جزءاً من الأمن القومي الأمريكي نفسه ، لا عبئاً عليه .
غير أن التجربة علمتنا أن التحولات في السياسات الخارجية تُبنى غالباً على حسابات الكلفة والمصلحة .
ولا اعتراض على الواقعية السياسية بوصفها أداة إدارة دول ، لكن الواقعية التي تفصل الأخلاق عن الاستراتيجية تتحول إلى براغماتية قصيرة النظر .
فهي قد تؤجل الأزمات ، لكنها لا تمنع عودتها بصورة أكثر تعقيداً .
إن التخلي عن شريك ميداني أثبت فاعليته لا يضرب صورة الولايات المتحدة الأخلاقية فحسب ، بل يضعف قدرتها المستقبلية على بناء تحالفات محلية في أي صراع قادم .
والجدير بالذكر هو ان الثقة في الشرق الأوسط عملة نادرة ، ومن يفقدها مرة لا يستعيدها بسهولة .
من سايكس–بيكو إلى لوزان ،
 ومن الأنفال إلى حلبجة ،
تعلّم الكورد درساً قاسياً : الضمانات الشفهية لا تحمي الشعوب .
لكن الكورد اليوم ليسوا مجرد قضية إنسانية تُذكر في بيانات الشجب ، بل طرف سياسي يمتلك تجربة إدارة ، وبنية مؤسساتية ، وحضوراً ميدانياً أثبت قدرته على ضبط الأمن ومحاربة التطرف .
 هذه معطيات تفرض معادلة مختلفة في أي تسوية مقبلة .
المطلوب ليس وصاية دائمة ،
ولا تدخلاً مفتوحاً ، بل معادلة واضحة :
من قاتل الإرهاب لا يُترك بلا غطاء سياسي ،
ومن ساهم في حماية الاستقرار الإقليمي لا يُستبدل بتفاهمات ظرفية .
وإذا كان الحديث عن حماية الأقليات جاداً ، فيجب أن يُترجم إلى أدوات ملزمة :
ربط أي تطبيع أو تخفيف للعقوبات بسلوك ملموس على الأرض ،
وقف الانتهاكات ،
ضمان تمثيل سياسي حقيقي ،
وإيجاد آليات رقابة دولية شفافة .
وإن دعم الاستقرار في روج آفا  ليس موقفاً عاطفياً ، بل استثماراً استراتيجياً يمنع عودة الفراغ الذي يولد منه التطرف .
وإن إعادة تدوير الأزمات لن تنتج استقراراً مستداماً .
وفي الوقت ذاته ، لسنا ناكرين للجميل .
ندرك أن في البرلمانات الغربية ، وفي مراكز القرار ، أصواتاً لم تتوقف عن الدفاع عن حقوق شعبنا ،
وترى في الشراكة التزاماً أخلاقياً واستراتيجياً معاً .
لهؤلاء نقول : إن موقفكم ليس تضامناً عابراً ، بل مساهمة في حماية استقرار منطقة بأكملها .
أما لشعبنا ، فإن التجارب القاسية لم تضعف إرادته ،
بل صقلتها .
الإرادة التي هزمت الإرهاب قادرة على حماية مكتسباتها ، وتداوي جروحها ، شرط أن تبقى وحدتنا السياسية بمستوى تضحياتنا .
والشراكة إن لم تكن التزاماً طويل الأمد ، تتحول إلى صفقة .
والصفقات قد تُربح سياسياً …
لكنها تخسر استقرار المنطقة .
بقلم : محمد ديب أحمد