لا يجب لوم الغرب على إتيانه بمجموعات الجولاني! – جان آريان

“بسبب علة غالبية النخب الكوردية وحتى الشرق أوسطية السلبية، وهي شبه الاكتفاء بالتنظيري والاعلامي الوجاهي الكثير وبقليل جدا من العملي المضحي على الأرض”
في سياق إحدى إشاداته بأحمد الشرع (بالجولاني وحتى تعطيره الملغوذ والملغوم) قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما معنى التالي:
“يهمني الاشخاص والناس الفاعلين او المؤثرين في الواقع…”، انتهى الاقتباس التقريبي. هكذا تجري الدراسة التقييمية الغربية للتنظيمات ولمسؤولييها واختيارها وئت الحاجة بغض النظر عن طبيعتها وخلفيتها الايديولوجية الدينية والسياسية.
لقد ساند الغرب المعارضة السورية نوعا ما لدى قيام الثورة ٢٠١١ ولكنه تحفظ عن ذلك منذ ٢٠١٣ /٢٠١٤ بعد أن وجد البديل سيكون إسلامي سياسي متعصب وتفاهم مع روسيا صديقة النظام للتدخل وحمايته من السقوط وطالما ايران وحزب الله يحميانه أصلا. بيد أنه عندما تصاعد الغرور والخطر الشيعيين على اسرائيل/إطلاق أكثر من ١٥٠٠ صاروخ شيعي عليها خلال حرب غزة/ تسارع هذا الغرب/ خصوصا بريطانيا وأمريكا/  للحد من ذلك، فكان اللجوء والخيار المرين لمجموعات هيئة تحرير الشام التابعة للجولاني الارهابي لديه بعد أن تفاهم مع روسيا برفع الغطاء عن النظام البعثي الدكتاتوري العنصري الفاسد وتهديد ايران بالأحمر من تحت الطاولة وفوقها لتحييدها، هكذا وليهيء مسيرا سلسا لتلك المجموعات الى دمشق، وليتم بهذه الخطة الذكية بأقل خسائر إسقاطه مقارنة بتبعات مكلفة لإسقاط صدام وطالبان سابقا وكذلك لتتمكن اسرائيل بكل أريحية من تدمير معظم العتاد العسكري السوري والتوغل اليسير داخل مناطق سورية جنوبية غربية اضافية أيضا.
في هذا الاطار أراد الغرب بداية دفع قسد العلمانية المضحية نحو دمشق لكنه سرعان ما تخلى عن الخطة وذلك لكون قسد في التحالف وبالتالي كان المسلمون سيزعمون بأن الغرب قد أسقط النظام كما حدث في أفغانستان والعراق فضلا أن الكثير من السنة السوريين والأتراك والخليج غير راضين عن قسد.
هنا، تبدو لنا ملاحظتان مهمتان في سياق الموضوع:
– أن الغرب الديموقراطي كان بالتأكيد سيلجأ الى المعارضة السورية الديموقراطية العلمانية المتمدنة وئت ذلك الخطر الشيعي على اسرائيل بدلا من دعاديش الجولاني بغية اسقاط ذلك النظام، لكنه وجدها غير مضحية وغير مؤثرة في الواقع، فهو توصل وفق دراساته وتجاربه  الى أن النخب الشرق أوسطية العلمانية المتمدنة نسبيا كأنها تحب متعة الحياة كثيرا ولا تجازف في العمل الشاق والخطر على حياتها وتريد فقط منه دوما أن يتدخل لاحداث تغييرات في المنطقة وكأنها تضحك عليه مع أن نخبه تريد الاستمتاع بالحياة أكثر بكثير وهو الذي نور العالم علميا وتكنيكيا وخدماتيا ونخبه يضحون بالغالي والرخيص اذا دعت الحاجة من أجل قيمها ومصالحها، أي الذي يسعى الى التحرر والرفاهية لا بد من التضحية والجهد الشاق.
حيث يذكر العديد من ممثلي الغرب بأنه قد حرر أفغانستان والعراق ونسبيا ليبيا بالتدخل العسكري ولكن في النهاية أستلمت الادارات هناك قوى اسلاموية او قوموية متعصبة على حساب الديموقراطية والعلمانية المتمدنة وهكذا ما حدث عقب الثورة الشعبية في تونس ومصر ايضا قبل أن يحدث انقلاب الجيش على نظام المرسي الإخواني الاسلاموي.
وفي هذا الإطار ايضا، قد توصل باحثي ومختصي هذا الغرب أيضا الى نتيجة مهمة، وهي أنه ممكن بسهولة استمالة مسؤولي المجموعات الاسلاموية المتعصبة وغيرها الى جانبه وذلك بارضائهم بقليل من المال او المناصب الادارية كونهم ليسوا متمسكين ثابتين بمبادئهم المزعومة وبالتالي الاستفادة من استعدادهم للتضحية الجهادية المزعومة وئت الحاجة وهذا ما حدث مثلا مع حالة جوقة الجولاني، فقد بدؤوا مباشرة بتقصير اللحى ولبس ربطات اعناقهم السوداء والتخلي الاوتوماتيكي عن العديد من طقوسهم التقليدية الوهابية الصحراوية وحتى التخلي عن مسألة تحرير القدس وفلسطين المزعوم بل والاعتراف حتى باسرائلية الجولان نفسها.
– لدى حملته لمكافحة داعش التجأ هذا الغرب من بين العديد من الأطراف الكوردية السورية المتجنبة للعمل الشاق والتضحية فأختار صقور ولبوات YPG-YPJ وضمهم الى تلك الحملة، كونهم الأكثر تضحية وتأثيرا على الأرض وذلك رغم اتهامهم كاتباع PKK المنبوذ لديه سياسيا ورغم المعارضة التركية العنصرية الكبيرة، وبالتالي فقد أرغم ذلك الكفاح التحرري منذ سنين الجولاني أخيرا على أصدار المرسوم ١٣ بالشأن الكوردي ولا يزال الحبل على الجرار بصدد انتزاع حقوق سياسية وادارية ذاتية مهمة أخرى خصوصا بعد مضي الوضع الايراني المرتقب في المنطقة ووئتها سيضغط هذا الغرب أكثر فأكثر على سلطة جولاني، أي إن كافة الفعاليات واللقاءات الاقليمية والدولية المتعلقة بالوضع الكوردي السوري تتم بوجود هؤلاء الفرسان الشجعان الكورد والمناصب الادارية الأخيرة طبعا من استحقاقهم، بينما نخب الاطراف الاخرى تطمح ترفيهيا اليها سدى، فهناك فقط لقاء بروتوكولي عابر جرى بين الجولاني وانكسى مؤخرا في اليومين الأسودين للتظاهر اضافيا أمام الغرب بعد جرائمه الأخيرة بحق المكافحين التحررين الكورد.
على العموم، يفترض بالنخب الكوردية المقتدرة خصوصا ونحن بعد في معمعان مرحلة الكفاح القومي التحرري أن لا تقلد النخب السورية العلمانية المتمدنة بصدد فعالياتها المحدودة فهي على الأقل لديها كيانها القومي، بينما نحن لا زلنا بعيدين عن المبتغى الكياني المشروع.
جان آريان/جمهورية ألمانيا الاتحادية