يروى عن الرئيس المصري أنور السادات أنه خلال زيارةٍ رسمية لإحدى المزارع ، تأمل الجواميس المصطفّة بعناية ، ثم همس لمنسق الزيارة :
بكم استأجرتم المزرعة والجواميس ؟
ذهل الرجل ، فأجابه السادات بهدوء العارف :
لأنها ليست في زريبتها … الحيوان إذا أُخرج من بيئته اضطرب ، ونظر حوله بقلق ، وتصرف على غير سجيته .
ليست القصة عن جواميس ،
بل عن المكان الطبيعي لكل شيء .
في أوطانٍ أنهكتها الشعارات ، من دمشق إلى مدننا الكردية ، نرى مشهداً مألوفاً : مسؤولٌ تحيط به المواكب ، يسبقه المديح ، وتتبعه السيارات الفارهة ، فيما الناس تحصي أيامها بما تبقى في جيوبها لا بما يُقال في المنابر .
الهيجان في السلوك السياسي ليس قوة ،
والصوت المرتفع ليس هيبة ،
والاستعراض ليس إدارة .
حين يتصرف المسؤول وكأنه في معرضٍ مؤقت لا في موقع خدمةٍ دائمة ، فاعلم أنه ليس في زريبته السياسية .
المنصب بالنسبة إليه خشبة مسرح ، لا أمانة .
والسلطة حالة عابرة ، لا مسؤولية مستمرة .
المشكلة ليست في الطموح ، بل في غياب الميزان .
ليست في القوة ، بل في غياب البوصلة .
الدولة ليست مزرعة تسمين تُغذّى فيها الامتيازات ، ولا حظيرة تُسيَّج بالخوف ،
ولا منصة يُختبر فيها عدد المرافقين وطول المواكب .
الدولة عقدٌ أخلاقي .
فإن اختلّ العقد ، اختلّ السلوك .
نعم ، ننظر إلى الماضي لنستخلص العبرة ، لا لنصنع منه تمثالاً نعبده أو جداراً نبكي عنده .
وننظر إلى المستقبل لأن الشعوب التي تسير إلى الأمام لا يحق لها أن تعيش في أرشيف الأمس .
السخرية هنا ليست تجريحاً ، بل محاولة لإعادة الأشياء إلى أماكنها الطبيعية .
فالمسؤول الذي يهيج في موقعه ،
والقرار الذي يرتجف أمام أول اختبار ،
والخطاب الذي ينتفخ أكثر مما يحتمل الواقع …
كلها مؤشرات على أن الخلل ليس في الضجيج ، بل في الموضع .
الوطن ليس مزرعة مؤجرة ليوم استقبال .
الوطن بيتٌ دائم .
ومن لا يعرف كيف يسكن البيت بهدوء ، فلن تنفعه كثرة الحراس ولا اتساع المواكب .
فالأوطان لا تستقيم بالهيجان ،
بل بالاتزان .

