القنابل المؤجلة … حين يُعاد تصدير داعش إلى الجغرافيا الأضعف – بقلم : محمد ديب أحمد

سادتي وأصدقائي الأعزاء ،
 كما في كل مرة ، نحن نتعاون في تبادل الأفكار وبلورتها ، وأذكركم بأنني أهتم أكثر من أي شيء آخر بالصحافة الكردستانية وقُرائها  ،  من بني شعبي الذين لم يعودوا يُخدعون بالشعارات الزائفة ، وصار لديهم إلمام واضح بمجريات الأحداث ومآلاتها .
لم يبقَ آلاف من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في سجون قسد ، شمال وشرق سوريا سنواتٍ طويلة لأن العالم نسيهم ، بل لأن العالم قرر أن ينساهم هناك .
تحت حراسة قوات سوريا الديمقراطية ، وبغطاء من التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة ، تحولت روج آفا إلى مخزن ثقيل للإرث الإرهابي العالمي .
أولاً قسد قاتلت نيابةً عن الجميع
وثانياً دفعت آلاف الشهداء
وحاربت مشروع الخلافة حين كان يتمدد كسرطان جغرافي .
لكن حين انتهت المعركة العسكرية ، كان من الطبيعي أن تبدأ المعركة السياسية وظهرت أسئلة احتاجت إلى اجاباتٍ وإيضاحات ؟
من الذي سيستلم الفاتورة ؟
أوروبا تحاضر … وترفض الاستلام
أكثر من خمسين دولة ينتمي إليها هؤلاء المقاتلون .
ومع ذلك ، حين طُرح ملف إعادتهم ، ساد الصمت في أروقة القرار الأوروبي
لا لأن القانون يمنع ،
ولا لأن الأدلة غير كافية ،
بل لأن صندوق الاقتراع وهدير أصوات الانتاج في معاملها ومراكز ابحاثها أكثر حساسية من ملف أمني في الشرق الأوسط .
بصراحة أكبر :
ليظلوا هناك … بعيداً عن شوارعنا ، بعيداً عن إعلامنا ، بعيداً عن ناخبينا .
هذه لم تكن رسالة ضمنية .
كانت رسالة واضحة وضوح الشمس :
دعوا صراعاتكم لكم … واستقرارنا لنا .
العراق … هل ينقصه شيء ؟
والآن يُطرح نقل هؤلاء إلى العراق
هنا السؤال الذي يتجاهله الجميع :
هل العراق يعيش حالة استقرار كامل ، ولا ينقصه سوى آلاف الإرهابين المتطرفين متعددي الجنسيات ؟
هل كل مشكلاته حُلّت ، وبقي فقط أن نضيف إليها هذه القنابل المؤجلة ؟
العراق الذي واجه التنظيم ودفع ثمناً باهظاً ، يُطلب منه أن يتحمل إرثاً صنعته سياسات عابرة للحدود .
كأن الجغرافيا العربية والكردية مستودع احتياط دولي … تُرمى فيها الأزمات حين تضيق بها العواصم الكبرى .
الكابوي والثقة الانتقائية
للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتردد في إعلان ثقته بالقيادة الجديدة في دمشق ، ممثلة بـ أبو محمد الجولاني ، بل ويتباهى بأنهم  من أعاد ترتيب المشهد هناك ، بل ويُقال — بسخرية أقرب إلى الواقع — إنه أنزل الجولاني بالباراشوت على أسوار العاصمة وقصورها
لكن السؤال الأكثر إحراجاً بعيداً عن الأضواء :
إذا كانت الثقة كاملة ،
وإذا كان الرجل المناسب قد وصل إلى المكان المناسب ،
فلماذا لا يُترك ملف آلاف مقاتلي الدولة الإسلامية في عهدته ؟
لماذا يُنقلون إلى جغرافيا أخرى ؟
ولماذا يُبحث لهم عن عنوانٍ بديل ؟
أليست الثقة تُقاس بالملفات الثقيلة لا بالتصريحات الإعلامية ؟
في السياسة الدولية ، يبدو أن الثقة تُمنح بالكلمات ،
لكن الملفات الحساسة تُدار بالشكّ .
من قاتل … ومن تهرّب ؟
الكرد قاتلوا التنظيم على الأرض
والتحالف دعم حين تلاقت المصالح .
والتراجيديا هي أن أوروبا رفضت استلام مواطنيها .
ودمشق تُمنح الشرعية السياسية .
والعراق يُستدعى عند الضرورة .
وفي النهاية ، يتحول الإرهابي إلى ملف قابل للنقل ؛
لا أحد يريدهم …
والجميع يريد التخلص من عبئهم .
الحقيقة التي يعرفها الشارع الكردي
والشارع الكردستاني ليس ساذجاً ،
يعرف أن السياسة الدولية لا تُدار بالأخلاق ، بل بالمصالح .
ويعرف أن من قاتل الإرهاب لا يُكافأ دائماً ، بل يُترك ليحرس نتائجه .
القضية ليست أين يُنقل هؤلاء ،
بل لماذا يُنقلون أصلاً بعد أن رُفض استلامهم لسنوات ؟
من يخشى وجودهم في عاصمته ،
كيف يطمئن لوجودهم في عاصمةٍ أضعف ؟
الخاتمة :
في السياسة الدولية ، لا تُفكك القنابل دائماً .
أحياناً يُعاد تغليفها …
ثم تُرسل إلى عنوانٍ آخر .
ودقّ يا طبل ،
فالعالم لا يحل أزماته ،
بل يعيد توزيعها .