ليست كلُّ الأخطبوطات تعيش في البحار .
بعضها يعيش في الجغرافيا ، ويتغذّى على الفراغات السياسية في لحظات الاختلال .
يمدّ أذرعه حيث يختلّ الميزان ، لا ليعيده إلى الاعتدال ، بل ليصنع ميزاناً على مقاسه … ثم يحدثنا مطولاً عن نصرة المستضعفين .
منذ عام 1979 ، حين أسّس آية الله الخميني نظام الجمهورية الإسلامية على قاعدة ولاية الفقيه ، لم يكن المشروع شأناً إيرانياً داخلياً فحسب ، بل تصوراً سياسياً يرى في نفسه رسالة عابرة للحدود .
ومن هنا وُلد مفهوم “تصدير الثورة”، الذي انتقل سريعاً من خطاب تعبوي إلى سياسة عملية ، تولّى تنفيذها الحرس الثوري الإيراني وذراعه الخارجي فيلق القدس .
غير أن للأخطبوط ذاكرة أيضاً .
في الأيام الأولى بعد الثورة ، قيل للكرد إن زمن التهميش قد انتهى ، وإن الحقوق الثقافية والسياسية ستكون جزءاً من العقد الجديد .
كانت الكلمات دافئة …
لكن المدافع كانت أسرع .
ما إن استقرّت أقدام النظام حتى تغيّر تعريف الشراكة .
صار الاختلاف يُقرأ بوصفه تمرّداً ،
والمطالبة بالحقوق تُترجم إلى خطر أمني .
وهكذا بدأت العلاقة :
بيانٌ في النهار … وحصارٌ في المساء .
بهذه الأدوات تمدّد النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة :
في لبنان عبر حزب الله ،
في العراق عبر فصائل أُدرجت ضمن إطار الحشد الشعبي ،
في اليمن عبر دعم أنصار الله ،
وفي سوريا عبر الانحياز العسكري والسياسي الصريح إلى نظام بشار الأسد .
قد يراه أنصار هذا المشروع توازناً في وجه خصوم أقوياء ،
لكن القراءة الهادئة تسأل :
هل خفّف هذا الامتداد من أزمات المنطقة ،
أم رسّخ منطق الدولة الموازية والسلاح الموازي ؟
وهل تحوّلت العواصم إلى ساحات نفوذ متقابلة بدل أن تكون فضاءات سيادة مستقلة ؟
وحين قرر بعض الكرد أن يمنحوا السياسة فرصةً أخيرة ، جلسوا إلى طاولة تفاوض في فيينا عام 1989.
الطاولة كانت مستديرة …
لكن الرصاص جاء مستقيماً .
هناك سقط الدكتور عبد الرحمن قاسملو خلال مسار تفاوضي ، في مشهدٍ بدا كأنه تعريف عملي لمفهوم “ الحوار المشروط ”.
منذ تلك اللحظة ، لم يعد السؤال الكردي يبحث فقط عن الحقوق ،
بل عن ضمانة ألا تتحوّل الطاولة مرة أخرى إلى مسرح .
المفارقة الكبرى أن النظام الذي يرفع شعار الدفاع عن المظلومين ،
لم تتوقف احتجاجاته الداخلية لسنوات .
في عام 2022 ، خرج اسم شابة كردية ليصبح شعاراً عابراً للمدن :
مهسا أميني .
لم تكن تحمل مشروعاً جيوسياسياً ،
ولا بياناً حزبياً ،
بل مطلب حياة طبيعية .
لكن الدولة التي تدير شبكات نفوذ خارج حدودها ،
وجدت نفسها عاجزة عن إدارة حوار مع امرأة .
فكان الرد أمنياً أولاً …
وقانونياً لاحقاً …
وميدانياً حيث لزم الأمر .
وتوسّعت دوائر الإعدام ، خصوصاً في مناطق القوميات والاثنيات الأقليات .
رافعاتٌ تحوّلت إلى مشانق معلّقة في الفضاء العام ،
السلطة أرادت أن تقول إن الجغرافيا لا تتسع إلا لصوتٍ واحد .
الكرد في إيران عددهم بالملايين ، ظلّوا في معادلة الشكّ أكثر مما كانوا في معادلة الشراكة .
والمشروع الذي يتقن العمل داخل سيادات الآخرين ،
لا يزال يتردّد في الاعتراف الكامل بتعددية سيادته الداخلية .
هنا تكمن العقدة الأخلاقية :
مشروعٌ يرفع راية العدالة …
لكنه يؤجلها في بيته .
يتحدث عن مقاومة الهيمنة … بينما ينتج نمطاً آخر منها .
يعارض التدخل الخارجي … ويتقن فن الحضور غير المرئي في عواصم الآخرين .
الأخطبوط لا يحتاج إلى احتلال رسمي ،
يكفيه أن يخلق واقعاً موازياً ،
وسلاحاً موازياً ،
وخطاباً يبرر الاثنين معاً .
القارئ الكردي اليوم لا يبحث عن خطاب تعبوي ،
بل عن إجابة عملية :
من أين سيدخل الضوء ؟
الجواب ليس في انهيار طرف وصعود آخر ،
بل في مراجعة عميقة لفكرة الدولة ذاتها :
دولة تتسع لكل مكوّناتها ،
لا تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة ،
ولا ترى في الاختلاف تهديداً .
فالمشروع الذي لا يصالح بيته الداخلي سيظلّ هشّاً … مهما امتدت أذرعه خارج حدوده .
قد يكون في هذا الطرح شيءٌ من المرارة ،
لكن المرارة أحياناً شرط الشفاء .
المنطقة المثقلة بالصراعات لم تعد تحتمل مزيداً من الأخطبوطات ،
بل تحتاج إلى شمسٍ تدخل من نافذة العدالة الداخلية أولاً .
وعندها فقط
يمكن لأي حديث عن الاستقرار الإقليمي
أن يكون أكثر من شعار .

