هل تفتح حرب إيران باب تسوية تاريخية مع الكورد؟ / د.سوزان ئاميدي

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تتغير موازين القوى بين الدول فقط، بل قد تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الداخلية. ومع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على إيران، يبرز سؤال سياسي جوهري: هل يمكن أن تتحول الحرب والضغوط الحالية إلى فرصة لفتح باب تسوية تاريخية مع الكورد داخل البلاد؟
الطرح التقليدي غالباً ما يقوم على انتظار انهيار الأنظمة أو تغييرها، على أمل أن تفتح مرحلة ما بعد النظام الباب أمام إعادة رسم شكل الدولة. لكن تجارب المنطقة تظهر أن سقوط الأنظمة لا يقود بالضرورة إلى استقرار سياسي سريع، بل قد يفتح الباب لفترات طويلة من الفوضى والصراعات الداخلية، حيث تتقدم الأولويات الأمنية وإعادة بناء الدولة على أي مطالب قومية.
صحيح أن الكورد في العراق تمكنوا بعد سقوط نظام صدام حسين في أعقاب غزو العراق 2003 من تثبيت وضع دستوري ضمن إطار إقليم كوردستان، لكن تلك التجربة كانت نتاج ظروف سياسية وإقليمية محددة لا يمكن افتراض تكرارها في أماكن أخرى بنفس الشكل.
من هنا يظهر احتمال آخر، أقل تداولاً: إمكانية الوصول إلى تسوية داخلية مع الدولة نفسها في لحظة ضعفها. ففي أوقات الأزمات الكبرى، غالباً ما تسعى الدول إلى تقليل عدد الجبهات المفتوحة، وقد تصبح التسويات الداخلية خياراً واقعياً لتخفيف الضغوط.
بالنسبة للحكومة في إيران، فإن تهدئة الجبهة الكوردية قد تحقق عدة أهداف في وقت واحد، من بينها:
1- تقليل التوترات الداخلية وإغلاق جبهة حساسة.
2- منع تحول المناطق الكوردية إلى ساحة ضغط إضافية من قبل قوى خارجية.
3- تقديم إشارات إصلاحية قد تخفف من حدة الضغوط الداخلية والخارجية.
في المقابل، قد ترى القوى الكوردية أن لحظات التحول الكبرى تمثل فرصة سياسية نادرة، يمكن عبرها تحقيق مكاسب لم تكن ممكنة في الظروف العادية، مثل:
1- توسيع صلاحيات الإدارة المحلية في المناطق الكوردية.
2- الاعتراف الأوسع باللغة والثقافة الكوردية في التعليم والإدارة.
3- تعزيز المشاركة السياسية للكورد في مؤسسات الدولة.
4- التمهيد التدريجي لمرحلة من اللامركزية السياسية الأوسع.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو مثل هذه التسوية ليس سهلاً. فالنظام السياسي في إيران يقوم تقليدياً على مركزية قوية، ما يجعل فكرة الحكم الذاتي أو الفيدرالية موضوعاً شديد الحساسية. كما أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تثير مخاوف من انتقال المطالب إلى قوميات أخرى داخل البلاد.
إضافة إلى ذلك، البعد الإقليمي للقضية الكوردية يزيد من التعقيد، حيث تتابع دول الجوار، وعلى رأسها تركيا، أي تطورات في الملف الكوردي بدقة بسبب تداعياته المحتملة على توازنات المنطقة.
يبقى السؤال المركزي: هل يمكن أن تدفع الأزمات الكبرى إيران إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها القومية؟
الإجابة ليست محسومة، لكن التاريخ السياسي يظهر أن التحولات الكبرى كثيراً ما تفتح مسارات غير متوقعة. وفي مثل هذه اللحظات قد يصبح التفاوض خياراً أكثر واقعية من انتظار انهيار كامل قد لا يأتي، أو قد يأتي بثمن أكبر للجميع.
في النهاية، مستقبل العلاقة بين الكورد والدولة في إيران لن تحدده الحرب وحدها، بل قدرة الأطراف المختلفة على قراءة لحظة التحول وتحويلها إلى مشروع سياسي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أسس أكثر توازناً واستقراراً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *