​زلزال الجغرافيا السياسية: صراع الإرادات ونهاية الهيمنة الأحادية في الشرق الأوسط- مهند ال كزار 

 

​بين ضجيج النبوءات العقائدية وهدير الصواريخ البالستية، يعاد تشكيل خارطة القوى في الشرق الأوسط، لم يعد الصراع مجرد مواجهة حدودية بل تحول إلى صدام إرادات، بين مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي ترعاه واشنطن وحائط الصد الإقليمي الذي تقوده طهران، وسط تحولات تقنية وعسكرية تنهي حقبة الشرطي الأوحد في العالم.
​ازدواجية المعايير: النووي بين الوهم والواقع الاستراتيجي
​في تصريح لافت يربط وزير الدفاع الأمريكي امتلاك السلاح النووي بـ “الأوهام النبوية الإسلامية” في مفارقة استراتيجية صارخة، فبينما يتم تجريم الطموح الإيراني بدعوى الخلفية العقائدية تمنح واشنطن غطاءً كاملاً لترسانة نووية إسرائيلية تستند إلى أدبيات تلمودية ونبوءات صهيونية، هذا التناقض يكشف أن الهدف ليس منع السلاح النووي لذاته، بل منع امتلاك أدوات السيادة المطلقة من قبل أي قوة ترفض الدوران في الفلك الأمريكي.
​العتبة النووية: فرض الأمر الواقع التقني
​يؤكد المفاوضون الدوليون (ويتكوف وغيره) أن إيران تجاوزت مرحلة المنع إلى مرحلة القدرة، فامتلاك يورانيوم مخصب يكفي لـ 11 قنبلة، والقدرة على القفز إلى نسبة 90% خلال أسبوع واحد، وهذا يعني أن إيران أصبحت دولة حافة نووية فعليا، المفاوض الإيراني اليوم لا يطلب إذناً بالتخصيب بل يفاوض على ثمن عدم إغلاق الدائرة النووية، مما يمنحها حصانة سيادية تمنع أي غزو عسكري تقليدي.
​إيران كحائط صد وسقوط مشاريع “الهندسة الإقليمية”
​اتفقنا مع طهران أو اختلفنا، تظل هي العائق الهيكلي الوحيد أمام مشروع دمج إسرائيل كمركز ثقل إقليمي وتصفية القضية الفلسطينية، من خلال استراتيجية وحدة الساحات خلقت إيران حالة من “الاستعصاء الجيوسياسي”، محولةً المنطقة من ساحة لإملاءات واشنطن إلى ساحة صراع توازنات صعبة، وهو ما دفع ترامب للعودة لورقة الأكراد في محاولة لخلق ثغرة في الخاصرة الرخوة لإيران وحلفائها في العراق وسوريا، رغم تخليه عنهم في وقت سابق أمام قوات الجولاني في سوريا.
​فلسفة القوة: ما وراء الهجوم والدفاع
​إن مقولة “خير وسيلة للدفاع الهجوم” ليست قدراً ثابتاً في العلم العسكري المعاصر، أحياناً يكون “الردع الصامت” وضبط النفس أقوى أثراً، فالهجوم المندفع قد يمنح الخصم مبرراً للتصعيد الدولي، بينما التحصين الذكي واستنزاف الخصم بالنقاط يؤدي إلى انهياره ذاتياً، العبرة ليست ببدء النار بل بحسن تقدير اللحظة الاستراتيجية المناسبة، التي تحول القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة.
​التكتيك الاستنزافي: الخردة الذكية ضد التكنولوجيا المليارية
​يحلل الدبلوماسي السابق أليستر كروك كيف نجحت إيران في استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية باستخدام مسيرات رخيصة وصواريخ قديمة، محتفظةً بترسانتها المتطورة لـ “يوم القيامة”، هذا التكتيك أجبر حاملات الطائرات الأمريكية على التراجع بعيداً عن السواحل، محولاً القواعد الأمريكية ومصالح حلفائها (بما فيها استثمارات عائلة ترامب) إلى أهداف سهلة المنال في أي مواجهة شاملة.
​التحول الكلي: نهاية الحقبة الأمريكية في الخليج والعراق
​تشير المعطيات الميدانية إلى انتصار رؤية إيران في فرض معادلة الخروج، إغلاق القواعد العسكرية أو تقليص دورها في الخليج، وطرد القطع البحرية الغربية، والضغط المستمر لإنهاء الوجود الأمريكي في العراق، ليست أحداثاً عابرة بل هي إعلان رسمي عن نهاية القرن الأمريكي في المنطقة، إن القوة التي أغلقت القواعد بالضغط العسكري والسياسي لن تسمح بعودتها مجدداً، ما لم يكن هناك أتفاق واضح ومصالح متبادلة.
​الشرق الأوسط يغادر منطقة التبعية ليدخل عصر الندية، إن نجاح إيران في الربط بين العمق العقائدي، الاكتفاء النووي، والتفوق التكتيكي، ربما وضع حداً لمشاريع الهيمنة الغربية، والبدء في عصر جديد تقوده القوى الإقليمية لفرض سيادتها على الأرض والمياه والسماء.
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *