عندما تضيق الدائرة  … تبدأ العقارب باللدغ – بقلم : محمد ديب أحمد

في الشرق الأوسط أحياناً لا تُدار الحروب بمنطق القوة ، بل بمنطق القلق …
 والقلق في السياسة يلدغ أكثر مما ينتصر .
في عالم السياسة لا تتحرك الحروب دائماً بمنطق القوة ، بل كثيراً ما تتحرك بمنطق القلق .
والفرق بين الاثنين بسيط لكنه خطير .
القوة توسّع الخيارات ،
أما القلق فيوسّع الأخطاء .
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يشبه إلى حدّ بعيد حجراً صغيراً يُرمى في بحرٍ ضيق ؛
تتحرك الدوائر حوله سريعاً ،
ثم تمتد حتى تصل إلى شواطئ لم تكن طرفاً في الحكاية أصلاً .
والعالم لم يعد قارات متباعدة كما كان في القرن الماضي ، بل أصبح – سياسياً على الأقل – حيّاً صغيراً مزدحماً بالأعصاب .
ما يحدث في جنوب لبنان – من إخلاءٍ لمدنٍ مثل صيدا ،
ومن توترٍ يمتد إلى ضاحية بيروت – تسمعه أسواق الطاقة في أوروبا بوضوح .
وما يجري في كردستان العراق يصل صداه إلى مكاتب القرار في واشنطن .
أما الطائرات المسيّرة التي تُطلق في هذه الصراعات فتصل أصداؤها حتى مدنٍ آمنة مثل هولير والسليمانية ، اللتين ظنتا يوماً أن الحيادية قد تمنحهما شيئاً من المسافة عن حرائق الشرق الأوسط وصراعاته .
لكن المنطقة ، كما يبدو لم تعد تعرف شيئاً اسمه المسافة الآمنة .
فالقصف الذي طال أجزاء من كردستان – من منشآت مدنية ومرافق عامة إلى فنادق ومؤسسات خدمية  لم يكن مجرد رسالة عسكرية عابرة ،
 بل تعبيراً عن طريقة خاصة في إدارة الأزمات .
طريقة تقوم على ثلاث قواعد بسيطة :
–  إذا ضاقت الخيارات … نوسّع دائرة النار
– وإذا لم نجد دليلاً واضحاً … نجد دائماً اتهاماً جاهزاً .
– وإذا كانت الجغرافيا مفتوحة … فلا بأس أن تتحول إلى ساحة اختبار ؛
المشكلة هنا ليست في الصواريخ ولا في الطائرات المسيّرة ، فهذه مجرد أدوات
المشكلة الحقيقية في العقل الذي يضغط على الزر !
فعندما تدخل الأنظمة السياسية مرحلة الارتباك الاستراتيجي ، تبدأ بالتصرف بطريقة تشبه
 إلى حد بعيد  سلوك العقرب عندما تشعر بأن الدائرة تضيق حولها ،
بدلاً من البحث عن مخرج ،
  تبدأ باللدغ في كل اتجاه .
والمفارقة أن العقرب قد تلدغ نفسها أيضاً عندما تفقد الاتجاه .
في هذا السياق تبدو بعض التحركات العسكرية في المنطقة أقرب إلى إدارة قلق منها إلى إدارة قوة .
إيران ، التي بنت خلال عقود شبكة نفوذ واسعة عبر حلفاء وأذرع في أكثر من ساحة ،
 تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً مما خطط له مهندسو النفوذ .
فكل جبهة فُتحت لتوسيع التأثير تحولت تدريجياً إلى فاتورة سياسية وأمنية جديدة .
في لبنان مثلاً ،
يدفع المجتمع بأكمله ثمن هذا الاشتباك الطويل بين النفوذ الإقليمي والصراع الدولي .
ولا يمكن بالطبع تبرئة إسرائيل من مسؤولية الدمار والضربات المتكررة ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء – وربما بشيء من السخرية أيضاً – هو :
من الذي قرر أصلاً أن يتحول لبنان إلى ملعبٍ مفتوح للمصارعة الإقليمية ؟
فعندما تتحول دولة أو حركة سياسية إلى امتداد استراتيجي لقرار خارجي ، فإنها  شاءت أم أبت  تمنح خصومها شيئاً يشبه شيكاً سياسياً على بياض لتوسيع المواجهة .
وهنا تتحول الجغرافيا من وطن إلى ساحة ،
ومن مجتمع إلى خط تماس ،
وفي الجهة الأخرى من المشهد لا يبدو العالم الغربي أقل ارتباكاً .
في الولايات المتحدة يدور جدل دائم داخل الكونغرس حول حدود القرارات العسكرية ، خصوصاً عندما تأتي بسرعة وكأنها قرارات على طريقة التغريدة السياسية السريعة .
المؤسسات الأميركية ، مهما اختلفت إداراتها ، لا تحب المفاجآت الكبيرة ،  والشرق الأوسط تعوّد أن يحوّل أي قرار صغير إلى مشكلة عالمية بحجم قارة .
أما في أوروبا فالمزاج العام أكثر حذراً .
كثير من العواصم الأوروبية تدرك أن الشرق الأوسط ليس فيلماً يمكن إيقافه عند المشهد المزعج وكل موجة اضطراب هناك تنعكس مباشرة على الطاقة والاقتصاد والهجرة وحتى الأمن الداخلي .
لهذا يفضّل بعض الأوروبيين لغة التهدئة ، لا بدافع المثالية السياسية ، بل بدافع بسيط جداً :
الخوف من اتساع النار .
وفي وسط هذا المشهد المتشابك تبقى حقيقة يصعب تجاهلها :
إيران ليست دولة سهلة القضم ،
كما أن الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج يمكن إعادة ترتيبها كل بضع سنوات .
والتجارب الحديثة أثبتت أن الحروب لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ ، بل بقدرة الدول على حماية استقرارها الداخلي قبل أي شيء آخر .
ولهذا تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف أمام سؤال واحد كبير :
هل تتجه القوى المتصارعة إلى إعادة رسم الحدود بين النفوذ والمغامرة ؟
أم يستمر منطق العقرب التي تلدغ في اللحظة الأخيرة ؟
التاريخ يخبرنا بحقيقة بسيطة :
الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بخطة محكمة ، بل كثيراً ما تبدأ بسلسلة أخطاء صغيرة … كل طرف يعتقد أنه قادر على السيطرة عليها .
لكن العقرب التي تلدغ في كل اتجاه لا تكتشف متأخرة أنها لم توسّع نفوذها ، بل وسّعت دائرة الخراب .
وعندها لا تسقط الضحايا على حدود الدول الكبرى فقط ، بل في الأماكن التي لم تطلب يوماً أن تكون جزءاً من حرب الآخرين .
وعند تلك اللحظة تدرك القوى التي أدارت السياسة بعقل القلق لا بعقل الدولة ، أن النفوذ الذي بُني بالنار قد ينتهي في النهاية …
برمادٍ أوسع من خرائطه .