بعد متابعتي یوم أمس لمناقشتین تلفزیونیتین حول الحرب الدائرة منذ ٢٦\٢\٢٠٢٦ بین إسرائیل و الولايات المتحدة الأمریكیة فی طرف وإیران فی الطرف الآخر، إحداهما علی قناة BBC البریطانیة والأخری فی DW الألمانیة، تولدت عندی قناعة بأن خارطة الشرق الأوسط الجديد فی طريقها إلی الظهور للعيان بعد أن رسمت و تم تخطيطها فی مشروع متكامل خلف الكواليس. فبالرغم من أن محور المناقشة فی البرنامجين كان يدور حول الحرب الدائرة حالیا، ألا أن الأنظمة الهشة فی كل من لبنان و سوریا والعراق كانت موضوع الجدل الأكبر بین الضيوف الذين يسمون أنفسهم خبراء أو محللين سیاسیین، وهم لم یستطیعوا الخروج من تطرفهم القومی كعرب أو إسلامهم المتطرف فی المذهبية والطائفية، علی طرفی نقيض.
بالرغم من أن الحرب الجاریة تدور بین أطراف غیر عربية، وهی لا تركز علی الدين أو القومية بشئ، تبدو الأنظمة الرسمية فی الدول التی تقع بین نيران الطرفین هی أصل العروبة و الإسلام، و السبب الرئیسی فی هذه الحرب. أما الشعوب الغير عربیةالتی تعاني یومیا من الصواریخ و الدرونات التی یقصفها طرفی الحرب فهی وإن كانت مزیجا من الشعوب و الأديان العريقة كالشعب الكوردی مثلا، فليس لهم فی هذه الحرب الضروس ناقة أو جمل. هكذا یظهر تأریخ الكورد و كوردستان بأنه یعید نفسه.
على امتداد القرن الماضي، بدا التاريخ الكوردي وكأنه سلسلة من الآمال المؤجلة والفرص الضائعة. ففي كل مرحلة تاريخية كبرى في الشرق الأوسط، كان الكورد يعتقدون أن لحظتهم قد اقتربت، وأن تضحياتهم ستقود أخيراً إلى اعترافٍ عادل بحقوقهم القومية. غير أن الرياح السياسية كثيراً ما هبّت في اتجاهات معاكسة، لتعيد القضية الكوردية إلى نقطة القلق وعدم اليقين. بعد الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الدولة العثمانية، ظهرت لأول مرة إمكانية قيام كيان كوردي مستقل، خاصة بعد الوعود التي حملتها بعض الاتفاقيات الدولية. لكن تلك الوعود سرعان ما تلاشت مع تغيّر موازين القوى، وتوزع الكورد بين عدة دول ناشئة. ومنذ ذلك الحين، أصبح مصيرهم مرتبطاً بتقلبات السياسة الإقليمية والدولية.
في العقود الأخيرة، شهدت القضية الكوردية تحولات كبيرة. فقد استطاع الكورد في بعض المناطق بناء مؤسسات سياسية وإدارية، وبرزوا كقوة فاعلة في محاربة الإرهاب والتطرف. كما حصلوا على تعاطف دولي واسع، واعتبرهم كثيرون حليفاً مهماً في استقرار المنطقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كان ذلك التعاطف كافياً لترسيخ مكاسب دائمة، أم أنه كان ظرفياً مرتبطاً بمرحلة معينة؟ الواقع أن المشهد الإقليمي يشهد تغيرات سريعة. التحالفات الدولية تتبدل، والأولويات السياسية للدول الكبرى تتغير وفق مصالحها. وفي مثل هذه البيئة المضطربة، قد تجد الشعوب الصغيرة فی الدول القومية فی الشرق الأوسط نفسها مرة أخرى في موقع هش، حيث تتقدم الحسابات الجيوسياسية على المبادئ والوعود. بالنسبة للكورد، لا يكمن التحدي فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضاً في الانقسامات الداخلية. وكلما ازدادت الانقسامات، ازدادت قدرة القوى الأخرى على التأثير في مسار القضية الكوردية. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن وحدة أرض و شعب و قوی كوردستان كانت دائماً عاملاً حاسماً في حماية المكتسبات.
ومع ذلك، فإن التاريخ الكوردي ليس مجرد قصة معاناة. إنه أيضاً قصة صمود طويل، وثقافة حية، وإرادة جماعية للبقاء. فالكورد، رغم كل التحولات السياسية، استطاعوا الحفاظ على هويتهم ولغتهم وثقافتهم عبر أجيال متعاقبة. لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي ليس فقط: هل الكورد في مهب الريح مرة أخرى؟ بل أيضاً: كيف يمكن تحويل هذه الرياح إلى فرصة جديدة لإعادة التفكير في الاستراتيجيات السياسية، وتعزيز الوحدة الداخلية، وبناء علاقات دولية أكثر استقراراً؟
إن المستقبل لا تحدده الرياح وحدها، بل أيضاً قدرة الشعوب على توجيه أشرعتها.
١٣\٣\٢٠٢٦

