في عالمٍ تُدار فيه الحروب عن بُعد ، لا تبدو الجبهات العسكرية هي المكان الحقيقي لصناعة القرار . هناك دائماً غرفة أخرى ، أبعد ، تُحدَّد فيها الأولويات وتُوزَّع فيها الأدوار .
ضمن هذا السياق ، يمكن فهم موقع الكرد :
طرفٌ حاضر في الميدان ، وغائبٌ عن طاولة التفاوض .
الحروب تُدار من الخارج
لم تعد الحروب تُحسم في ساحاتها فقط ، بل في مراكز القرار الدولي ، حيث تُعاد صياغة التحالفات وفقاً للمصلحة لا الالتزام .
تلعب الولايات المتحدة هنا دور المُنظِّم للإيقاع ، لكن ليس بوصفها وسيطاً محايداً ، بل كقوة تعيد ترتيب المشهد بما يخدم أولوياتها .
في مرحلة اسمها الترامبية ، لم يعد هذا النهج مغلّفاً ، بل طُرح بصراحة :
تحالفات مؤقتة ،
قرارات قابلة للتبديل ،
والتزامات تُقاس بميزان الربح والخسارة .
باختصار : السياسة تُدار كصفقة … ومن لا يملك موقعاً فيها ، يدفع كلفتها .
إسرائيل وإيران : اختلاف الأدوار ، تشابه النتيجة
في هذا المشهد ، لا تتحرك القوى الإقليمية خارج هذا المنطق ، بل داخله .
إسرائيل تميل إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى أفعال ميدانية مباشرة ؛
أي أنها غالباً ما تلعب دور “ المنفّذ ” حين تتطلب المعادلة ذلك .
في المقابل ، تعتمد إيران نمطاً مختلفاً :
توسيع النفوذ عبر إدارة الفوضى ، لا مواجهتها بشكل مباشر .
خطاب تصعيدي في الخارج ، يقابله تشدد في الداخل ، حيث تبقى كلفة هذا التوازن مرتفعة ، خصوصاً على الكرد .
ورغم اختلاف الأدوات ، النتيجة واحدة :
إعادة تشكيل الوقائع على الأرض ، دون أن يكون للمتضررين دور في تحديدها .
الكرد : حضور في الميدان ،
غياب في القرار
بين هذه القوى ، لا يظهر الصراع بوصفه مواجهة بين حق وباطل ، بقدر ما هو تنافس بين روايات ومصالح .
في هذا الإطار ، يقف الكرد في موقع معقّد :
هم طرف أساسي في المعادلة الأمنية والعسكرية ، لكنهم ليسوا جزءاً من هندسة الحلول السياسية .
حين تعرضت مناطقهم للخطر ، لم يكن أمامهم ترف الانتظار أو قراءة التوازنات الدولية ؛
المواجهة كانت خياراً اضطرارياً ، لا استراتيجياً .
المفارقة أن من قاتل على الأرض ، لم يكن ضمن من يقرر شكل المرحلة التي تلت القتال .
الحقيقة كمنتج سياسي
مع تغيّر موازين القوى ، يُعاد تعريف الأحداث نفسها . ما يُدان في سياق ، يمكن تبريره في سياق آخر .
الهجمات التي تطال أربيل ومدن إقليم كوردستان ، على سبيل المثال ، لا تُقرأ دائماً وفق حجمها أو أثرها ، بل وفق موقعها في السردية السياسية لكل طرف .
وهنا ، لا يعود السؤال : من هو المسؤول؟
بل : من يملك القدرة على تقديم روايته باعتبارها الحقيقة ؟
بين الاصطفاف والانتقائية
في عالم تحكمه الصفقات ، لا يُطلب من الأطراف اتخاذ مواقف أخلاقية بقدر ما يُطلب منها تحديد موقعها ضمن المعادلة .
الاصطفاف هنا لا يعني بالضرورة تبنّي موقف كامل ، بل القبول بجزء من الرواية ، وتجاهل أجزاء أخرى .
أما رفض هذا المنطق ، فلا يعني الحياد ، بل يعني البقاء خارج المعادلة :
رؤية التناقضات دون القدرة على التأثير فيها .
الخلاصة :
الحروب اليوم لا تُنتج فقط دماراً ، بل تُنتج أيضاً روايات متنافسة .
وفي ظل هذا التنافس ، قد يكون الخاسر الأكبر هو من لا يملك القدرة على تحويل معاناته إلى ورقة تفاوض .
في عالم يُدار كصفقة ، لا يكفي أن تكون حاضراً في الميدان …
إن لم تكن حاضراً على الطاولة ،
فأنت على الأرجح جزء من الكلفة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

