النضوج النفسیإجتماعي في شرق كوردستان مقارنة بالأجزاء الأخرى- د. عبدالباقي مایی

 

يُعدّ النضوج النفسیإجتماعي من المفاهيم الأساسية في علم النفس وعلم الاجتماع، إذ يشير إلى قدرة الفرد على تحقيق التوازن بين إحتياجاته الفردیة ومتطلبات المجتمع الذي يعيش فيه. ويتأثر هذا النضوج بعوامل متعددة، منها حسب الأهمیة: مرحلة التطور البشري (الأنتروپوجی) ، التربية العائلية والمدرسية ، و البيئة الإجتماعية، و الوضع الإقتصادي للعائلة، و مستوى تعليم الأبوين، والهوية الثقافية بما فی ذلك مكانة لغة الأم، إضافة إلى مستوى الإستقرار والأمان الاجتماعي. في هذا السياق، تبرز منطقة شرق كوردستان (كوردستان إيران) كنموذج يستحق الدراسة، نظرًا لإختلاف ظروفها عن باقي أجزاء كوردستان (العراق، تركيا، وسوريا).

 

الإطار المفاهيمي للنضوج النفسیإجتماعي

يشير النضوج النفس-اجتماعي إلى مجموعة من السمات، منها: الإستقلالية في إتخاذ القرار، و القدرة على التكيّف مع الضغوط، و الوعي بالذات والانتماء الاجتماعي، و التوازن بين الفردية والجماعية. ويتطور هذا النضوج لدی الفرد عبر مراحل عمرية، لكنه يتأثر بشدة بالسياق العام الذي يعيش فيه الفرد، خاصة فی المجتمعات الجماعیة كما هو الحال بالنسبة لمجتمع كوردستان.

 

 العوامل المؤثرة في شرق كوردستان

يمكن فهم خصوصية النضوج النفسإجتماعي في شرق كوردستان من خلال عدة عوامل:

  1. العامل السياسي

تعيش منطقة كوردستان إیران منذ عهد الشاه و حتی نظام الجمهورية الإسلامية حالیا، تحت نظام سياسي مركزي، يفرض قيودًا على التعبير الثقافي والسياسي، مما أدی إلى تنمية الحذر والوعي السياسي المبكر، و تعزيز الهوية الجماعية كردّ فعل على التهميش. كانت مملكة إيران فی عهد الشاه تتمتع بإستقرار سیاسی و إقتصادی بسبب إرتباطها بالدول الغربية و علی رأسها الولايات المتحدة الأمریكیة . كانت إيران تأمل في البقاء على الحياد خلال الحرب العالمية الأولى، لكنها انتهت بالاحتلال من قبل القوات التركية والروسية والبريطانية . وكانت الدولتان الأخيرتان حليفتين، فقسمتا إیران إلى مناطق نفوذ: البريطانيون في الجنوب، والروس في الشمال . أما خلال الحرب العالمية الثانية، فبالرغم من إعلان رضا بهلوي إيران بلدا محايدا إلا أنه أظهر تعاونا كبيرا مع قوات المحور، وبالأخص الألمانية، الأمر الذي دفع القوات البريطانية والسوفييتية لخلعه عن العرش وتنصيب إبنه محمد رضا بهلوي خلفًا له بعد احتلال كامل الأراضي الإيرانية. نتيجة لذلك تعرضت إیران فی سنة ١٩٤٦ لما سمیت بالأزمة الإیرانیة. تمتعت فيها كل من أذربيجان و كوردستان بإستقلالهما عندما رفضا الرجوع إلی حكم الشاه بعد إنسحاب الإتحاد السوفییتی. فتكونت دولتان مستقلتان تحت إسم جمهورية مهاباد الكرديّة و جمهورية أذربيجان في نوفمبر عام 1945 بدعم من الإتحاد السوڤییتی. الأمر الذی أدی إلی تعرض الدولتين الفتیتین للهجوم الإیرانی و إعادة سيطرة القوات الإیرانیة علیهما بعد إنسحاب الإتحاد السوڤییتی فی ديسمبر عام 1946.

  1. العامل الاقتصادي

تعاني المنطقة من تحديات اقتصادية مقارنة بالمناطق الأخرى، مما أدی بالفرد إلى تحمّل المسؤولية في سن مبكرة و تنمية مهارات التكيّف والصمود. یظهر ذلك بوضوح أیضا علی شخصية الكورد العراقیین اللذين عاشوا طفولتهم فی إیران كمهاجرين قبل رجوعهم إلی العراق، وكذلك الأكراد الإیرانیین الذين یعیشون فی السويد.

  1. العامل الثقافي والاجتماعي

تلعب الثقافة الكردية دورًا مهمًا في تشكيل الشخصية لدی جميع الكورد أينما كانوا ولكن ثقافتهم ولغتهم و عاداتهم وتقالیدهم تأثرت بالأغلبية القومية فی البلد الذی یعیشون فیه، وهذا التأثير یبدو أكثر وضوحا لدی الكورد فی إیران لكون القوميتان الفارسية و الكوردية تتفرعان من أصل واحد، حيث:يتم تعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية ، و يُنقل التراث والهوية عبر الأجيال رغم الضغوط الخارجية.

مقارنة مع أجزاء كوردستان الأخرى

  1. جنوب كوردستان (إقليم كوردستان العراق) يتمتع بدرجة من الحكم الذاتي المعترف به عالميا و فی الدستور العراقي ، يوفر بيئة أكثر انفتاحًا من شرق كوردستان، و يتيح فرصًا أوسع للتعبير الفردي. فيميل النضوج هنا إلى التوازن بين الحریة الفردية و القیم الجماعیة القديمة، لكنه قد يواجه تحديات الاستهلاك بسبب توفر المال تحت ظل الفساد السائد فی جميع مفاصل السلطة، والعولمة المستوردة دون إستيعاب مسبق أو تكملة للحاجات التی یمكن تدبیرها بالإكتفاء الذاتی.و كذلك تطبق إدارة الأقلیم نظاما دیموقراطیا مستوردا دون فهم الأغلبية لمعانیها، وتحزب عشائری یمیل إلی توریث القیادة أكثر من انتخابها.
  2. شمال كوردستان (في تركيا) یتمیز بتاريخ طويل من الصراع السياسي والكفاح المسلح أدی إلی إنقاذ الكورد فی تركیا من الإنقراض الذی تعرض له بعد تكوین الدولة التركية فی أعقاب الحرب العالمية الأولی. ولازالت الهوية الكوردیة مهددة بالزوال فی تركيا نتيجة سیاسة فاشیة مبنية علی العنصریة التركیة والتطرف الإسلامی. ولكن الأمل فی نجاح المقاومة السلمية أدی بعد إعلان نزع السلاح إلی تطور حركات اجتماعية وثقافية نشطة فی تركیا التی تحتل القسم الأكبر من كوردستان. لذلك يتسم النضوج النفسیإجتماعی هنا بوعي سياسي عميق، مع حضور قوي للهوية الجماعية والعمل التنظيمي لبناء شخصية سلیمة للفرد مبنية علی مبدء “المقاومة هی الحياة” و تحت شعار “المرأة، الحریة، الحياة” .
  3. غرب كوردستان (في سوريا) تأثرت بشدة بالصراعات الحديثة خاصة بعد أن نجحت تجربة حكم محلي وإدارة ذاتية بتطبيق نال بحق تسمية “نموذج روژئاڤا عابر الأزمات”. سبب نجاح هذا النموذج يكمن فی تربية الفرد علی المبادئ التی تكونت فی شمال كوردستان نتيجة تأثره بهذه المبادئ عندما كانت قيادته تدرب كوادرها فی هذه المنتطقة التی كونت الجیل الجديد من المناضلين المۆمنین بالتعددية والدیموقراطیة و حریة المرأة. فكانت من إحدی نجاحاته تصدیر ثورة المرأة من سوریا إلی إیران. يتشكل النضوج النفسیإجتماعی فی هذا القسم، الذی يكون أصغر أجزاء كوردستان، في ظل ظروف استثنائية، حيث تتداخل مفاهيم البقاء، والمشاركة المجتمعية، والتحول الاجتماعي.

إن النضوج النفس-اجتماعي في شرق كوردستان لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه السياسي والثقافي. فبينما تتيح بعض أجزاء كوردستان مساحات أوسع للتعبير والنمو الفردي، يطوّر الأفراد في شرق كوردستان أنماطًا مختلفة من النضوج تقوم على الحذر، والصمود، والحفاظ على الهوية، مما يفسر تأثره ببعض من ميزات نموذج روژئاڤا، مثلا ثورة المرأة “المرأة، الحياة، الحریة”.

وعليه، فإن دراسة هذه الفروقات لا تسهم فقط في فهم المجتمع الكردي، بل تقدم أيضًا نموذجًا لفهم تأثير الظروف السياسية على تطور الإنسان نفسيًا واجتماعيًا.