الفتوحات الإسلامية والعولمة: من الدعوة الناعمة والسلام المطمئن إلى الصدام مع ثقافات شعوب زاكروس – رضوان فارس

 الحروب التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت تعبيرًا عن تحوّل كبير في شكل النظام العالمي. من حرب العراق إلى التوتر المستمر مع إيران، يبدو أن المرحلة التي نعيشها اليوم مختلفة عمّا سبقها؛ فالعولمة لم تعد تلك القوة الناعمة التي تعتمد على الاقتصاد والانفتاح فقط، بل دخلت طورًا أكثر خشونة، وبدأت تترك آثارًا كارثية يصعب تجاهلها. ولفهم ما يحدث، قد يكون من المفيد النظر إلى تجارب تاريخية مرّت بتحولات مشابهة. فقد شهدت أوروبا مرحلة طويلة من تفكك الإمبراطوريات وصعود الدول القومية، ترافق ذلك مع تغيرات فكرية واضحة في العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. لم يكن التحول سياسيًا فقط، بل كان تحولًا في طريقة فهم الحياة والعالم. أما الشرق الأوسط اليوم، فيعيش حالة قريبة من هذا الاضطراب. فالنماذج القديمة لم تعد قادرة على الاستمرار، وفي الوقت نفسه لم يتبلور نموذج جديد مستقر. لذلك يبدو المشهد وكأنه مرحلة انتقالية مفتوحة، تختلط فيها المشاريع، وتتقاطع فيها الرؤى. في بداياتها، تقدمت العولمة بهدوء عبر الاقتصاد والثقافة والانفتاح، لكنها مع الوقت بدأت تميل إلى استخدام القوة المباشرة، كما حدث في غزو العراق عام 2003. هذا التحول لم يؤدِ إلى الاستقرار كما كان يُفترض، بل فتح الباب أمام انهيار مؤسسات دول وخلق فراغات كبيرة لم يكن من السهل ملؤها. وفي هذا الإطار، لم تعد المعايير السياسية قائمة على تقييم موضوعي بقدر ما أصبحت مرتبطة بالموقف. فالأنظمة التي لم تدخل ضمن منظومة العولمة أو لم تنسجم مع توجهاتها، وُصفت غالبًا بالدكتاتورية، في حين أن الحركات أو القوى الخارجة عن السلطة صُنّفت بالإرهاب. وهكذا تحولت هذه التصنيفات إلى أدوات سياسية تُستخدم لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم موازين القوة، لا لوصف الواقع كما هو. وعند النظر إلى الصورة بشكل أوسع، يمكن ملاحظة نمط يتكرر، مع اختلاف الظروف. فقد بدأ الإسلام كدعوة دينية، ثم تحوّل مع الوقت إلى قوة سياسية توسعت خارج الجزيرة العربية. ومع هذا التوسع، واجه تحديات في بيئات معقدة، خاصة في مناطق مثل إيران وبلاد الرافدين، حيث كانت هناك حضارات راسخة وهويات متعددة. في تلك المناطق، لم يكن التوسع مجرد سيطرة، بل دخل في تفاعل مع الواقع المحلي، ما أدى إلى ظهور مسارات فكرية ومذهبية مختلفة، من بينها تطور المذهب الشيعي، الذي ارتبط جزئيًا بهذا الاحتكاك بين المركز والأطراف، وبين السلطة والهوية. ما يمكن ملاحظته هنا ليس مقارنة مباشرة بين الماضي والحاضر، بل الإشارة إلى فكرة أوسع: أي قوة، عندما تتمدد خارج بيئتها الأصلية، تواجه تحديات الواقع، وتُجبر على التكيف أو السير في مسار أكثر صعوبة مما كان متوقعًا. في الحالة الحديثة، يمكن رؤية نمط مشابه. فالعولمة، بعد أن توسعت بأدواتها المختلفة، بدأت تواجه الجغرافيا وثقافاتها المتعددة، وبنفس التشابكات التاريخية تقريبًا. هذا التحدي لم يُنتج استقرارًا، بل أفرز فوضى في بعض المناطق، وخلق ما يمكن وصفه بـ “فضلات العولمة”. فظهور تنظيمات مثل أنصار الإسلام وكيانات فاسدة ولاحقًا داعش لم يكن نتيجة فراغ عابر، بل جاء نتيجة فوضى سياسية وأمنية كبيرة نتجت عن انهيار مؤسسات الدولة. هذه التنظيمات لم تكن مجرد ظواهر معزولة، بل تعبيرًا عن اختلالات في بنية النظام الذي رُوّج له ظاهريًا تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما حمل في مضمونه أدوات للسيطرة وإعادة تشكيل النفوذ. وفي مواجهة هذا الواقع، برزت قوى محلية لعبت دورًا مهمًا في الحد من هذا التمدد. فقد كان لـ الاتحاد الوطني الكوردستاني دور بارز في مواجهة أنصار الإسلام في مراحله المبكرة، كما ساهمت القوى الكوردية لاحقًا في القتال ضد داعش، ضمن صراع لم يكن عسكريًا فقط، بل مرتبطًا أيضًا بشكل المستقبل السياسي للمنطقة. التاريخ يُظهر أن بعض اللحظات قد تتحول إلى فرص حقيقية إذا أُحسن استثمارها. فقد كان وعد بلفور مثالًا على لحظة استُغلت لبناء مشروع طويل الأمد. وفي إطار مختلف، شكّل الوضع بعد عام 1991 (خط العرض 36) فرصة للكورد لبناء كيان سياسي، لكنها بقيت في يد نخبة معينة لم تشمل عامة الشعب، ولم تتحول إلى مشروع سيادي مكتمل. في النهاية، لا تتحرك القوى في خط مستقيم، بل تمر بمراحل: من التأثير، إلى الفرض، ثم مواجهة الواقع والانهيار. وفي هذه اللحظات، لا يتحدد مصير هذه القوى فقط، بل مصير الشعوب التي تعيش داخل هذا التحول. واليوم، مع تغير شكل العولمة وتراجع قدرتها على فرض نفسها كما في السابق، يعود السؤال من جديد: هل يستطيع الشعب الكوردي الاستفادة من هذه المرحلة وتقديم نفسه كمشروع سياسي لشعب مستقل، أم أن الانقسامات وحب السلطة ستقود إلى كارثة تمتد آثارها لعقود طويلة؟