تقليم الأظافر … أم إعادة رسم المخالب ؟ –  محمد ديب أحمد

 

قراءة في حروب تُدار لضبط التوازن
لم تعد الحروب تُخاض دائماً لحسم النصر ،
بل يبدو ، في كثير من الحالات ، أنها تُدار لضبط التوازن أكثر من تحقيق الحسم .
ومن هنا ، لم يعد السؤال بالبساطة القديمة : من سيربح ؟
بل أصبح أقرب إلى : كيف تُدار المواجهة ، وإلى أي حد يُسمح لها أن تذهب ؟
في الحروب التقليدية ،
كان المشهد أكثر وضوحاً :
جبهات ، تقدّم ، تراجع ،
ثم غالب ومغلوب .
أما اليوم ، فإن صورة “ المنتصر ” تبدو أكثر التباساً ،
إذ لا تسعى المواجهات دائماً إلى إنهاء الخصم ،
بقدر ما تعيد رسم حدود القوة بين الأطراف .
ولعلّ أكثر ما يلفت في هذا السياق ، أن الجميع يعلن النصر … في الوقت نفسه .
كل طرف يمتلك روايته الخاصة ، ويقدّمها بوصفها الحقيقة ، حتى لو بدت الوقائع على الأرض مغايرة أو أقل حسماً بكثير .
هذه المفارقة لا تعكس فقط صراعاً في الميدان ،
بل صراعاً في تعريف النصر نفسه ؛
فحين يصبح بالإمكان إعلان الفوز دون حسم ،
فإن السؤال لم يعد : من انتصر ؟
بل : لماذا لم يعد الانتصار بحاجة إلى أن يكون واضحاً ؟
ربما هنا يمكن فهم كثير من هذه الحروب ، لا كصراعات تهدف إلى الحسم ، بل كآلية مستمرة لضبط التوازن ،
حيث لا يُسمح بالهزيمة الكاملة … ولا يُسمح أيضاً بالنصر الكامل .
وما نشهده من ضربات متبادلة تمتد عبر أكثر من ساحة ، حتى وإن كانت غير متكافئة ؛
ليس بالضرورة مؤشراً على اقتراب الحسم ، بقدر ما هو تعبير عن محاولة مستمرة لضبط الإيقاع ،
ومنح كل طرف هامش حركة محسوب ، دون السماح له بتجاوزه .
في هذا السياق ، تُطرح فكرة  الردع كأنها قاعدة مستقرة ،
لكن الواقع يبدو أكثر هشاشة مما توحي به هذه الفكرة .
فالردع يفترض أن الأطراف تشترك في تقدير كلفة الخسارة ،
وأن هناك حدوداً لا يتم تجاوزها …
غير أن هذه الفرضية تصبح موضع تساؤل ،
حين تُعاد صياغة المعاني نفسها :
حين تتحول الخسارة إلى تضحية ،
والتصعيد إلى ضرورة ،
والتراجع إلى كلفة سياسية يصعب تحمّلها .
عندها ، لا ينهار التوازن العسكري فحسب ،
بل تتآكل فكرة الردع ذاتها .
وفي ظل هذا المشهد ، يظهر نمط متكرر :
كل طرف يكتب روايته ، ويعلن نجاحه ،
حتى لو كُتبت هذه الرواية على هامش واقع أكثر تعقيداً.
وهنا ، لا يعود النصر نتيجة واضحة،
بل يصبح أداة في الخطاب،
تُستخدم لتثبيت الداخل، بقدر ما تُستخدم لمخاطبة الخارج.
ليست المشكلة في السلاح، مهما بلغ من قوة،
بل في الطريقة التي يُفهم بها استخدامه .
فالعالم الذي يخشى الكارثة ،
هو نفسه الذي يقترب منها أحياناً بخطوات محسوبة … أو شبه محسوبة.
وفي هذا الإطار ، تبرز معضلة القرار : كيف تُتخذ القرارات في لحظات التصعيد ؟
وهل تمرّ عبر مؤسسات قادرة على المراجعة ،
أم عبر قناعات تُعاد صياغة الواقع بما ينسجم معها ؟
هنا تكمن الخطورة الحقيقية :
ليس فقط في احتمال الخطأ ،
بل في احتمال ألا يُنظر إلى الخطأ بوصفه خطأ أصلاً .
ومع تعدد الأطراف ، وتشابك المصالح ، تبدو شبكة التوازنات أكثر تعقيداً … وأكثر هشاشة في الوقت نفسه .
إذ لا يحتاج العالم إلى قرار كبير كي ينزلق ،
بل قد تكفي لحظة سوء تقدير ،
أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر .
تلك اللحظة التي لا يكون فيها السؤال : كيف نمنع التصعيد ؟
بل :
هل ما زال بالإمكان احتواؤه ؟
ربما لا تبحث هذه الحروب عن نهاية واضحة ،
بقدر ما تعيد إنتاج نفسها ضمن حدود معيّنة ،
تُختبر فيها خطوط التماس ،
وتُقاس فيها قدرة كل طرف على الاحتمال .
وفي خضم ذلك ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً :
ليس من سيربح هذه الجولة،
بل من سيضمن ألا تتحول الجولة القادمة إلى ما هو أبعد من السيطرة ؟
في النهاية ،
قد لا يكون أخطر ما في هذه الحروب هو ما نراه ،
بل ما تتعلمه الأطراف منها .
فإذا خرجت أكثر اقتناعاً بقدرتها على الاحتمال ،
وأكثر جرأة في اختبار الحدود،
فإن ما نراه اليوم كضبطٍ للإيقاع،
قد يتحول غداً إلى اندفاع يصعب كبحه.
وعندها ، لن يكون السؤال : من انتصر ؟
بل : هل كان بالإمكان تفادي ما حدث ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي