فنّ القصف خارج العنوان – محمد ديب أحمد

في استنكارٍ شديدٍ وصريح ، أُدين استهداف مقر الزعيم مسعود بارزاني ، ومنزل السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان ، إذ لا يمكن النظر إلى هذا الحدث كحادثة عابرة ، بل عدوانٌ مباشر لنمطٍ يتكرر في إدارة الصراعات ، حيث تُعاد صياغة مسارات المواجهة بعيداً عن مركزها المباشر ، وباتجاه نقاط أقل قدرة على الرد وأكثر عرضة للكلفة .
إنه استهداف يثير القلق ، لا فقط من حيث الحدث ، بل من حيث ما يكشفه من منطقٍ يحكم مسار النار واتجاهها .
والحروب الكبرى لا تضلّ طريقها… بل تختار طريقاً أسهل .
من حرب الثلاثين عاماً في اوروبا قديماً إلى الحرب الباردة ، لم يكن الدمار نتيجة خطأ في التصويب ، بل نتيجة فهمٍ دقيق لمعادلة الكلفة … ومن يتحمّلها .
والقوى الكبرى لا تعجز عن الوصول إلى خصومها ، لكنها كثيراً ما تختار الوصول إلى مكانٍ آخر …
مكانٍ أقل كلفة ، وأقل قدرة على الرد ، وأكثر قابلية للاحتراق .
في أوروبا القرن السابع عشر ، تحولت أراضي الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى مسرحٍ مفتوح ، تتدافع فوقه جيوش لا تعيش فيه ، وتتصارع قوى لا تموت على أرضه .
والمدن الصغيرة لم تكن طرفاً فيها ، لكنها كانت الساحة .
والفلاح لم يكن عدواً … لكنه كان الوقود .
لم يكن ذلك انحرافاً في الحرب ، بل جزءاً من تصميمها :
نقل الدمار إلى حيث لا يغيّر ميزان القوة … لكنه يخفف كلفتها .
ثم جاء زمن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ، حيث أصبح الصراع أكثر برودة … وأكثر اتساعاً .
ولم يعد الاشتباك المباشر خياراً ، ففُتحت خرائط أخرى :
فيتنام تحترق لسنوات ،
أفغانستان تُستنزف لعقود ،
ودول أخرى تتحول إلى ساحات اختبار لأسلحة وأفكار .
لم يكن الهدف دائماً الانتصار ، بل إدارة الصراع دون دفع ثمنه الكامل .
ومن يدفع الفرق ؟
دائماً … طرف ثالث .
وفي الحرب العراقية الإيرانية ، اقتربت الصورة أكثر من واقعنا .
الحدود لم تكن خطوط فصل ، بل مناطق امتصاص .
قرى تُمحى ، مدن تُستنزف ، ومجتمعات كاملة تعيش الحرب … دون أن تملك قرارها .
هناك ، لم تكن الجغرافيا مجرد مكان ، بل أداة تُستخدم لامتصاص الصدمة … لا لمنعها .
اليوم ، لا شيء تغيّر … إلا شكل النار .
المسيّرات أدق ،
والصواريخ أذكى ،
والأهداف معروفة سلفاً . ومع ذلك  تُضاء مرافق مدنية ، تُستهدف بنى خدمية ، وتتحول مدن كانت تُحسب خارج الاشتباك إلى نقاط اشتعال مفاجئة .
ليس لأن الطريق غير واضح …
 بل لأن المباشر مكلف .
في هذا السياق ، لا تبدو الضربات خارج المسار ، بل ضمن مسارٍ آخر :
مسار يتجنب المواجهة الثقيلة ، ويبحث عن نقاط رخوة ، جغرافياً وسياسياً .
مدن تنام على هامش الصراع … وتستيقظ في قلبه .
مدن اعتقدت أن الاستقرار جغرافي … فاكتشفت أنه قرار لا تملكه .
جغرافيا كانت تُقرأ كمساحة هادئة…
فتُعاد كتابتها كل مرة على أنها ساحة .
ليس لأنها غيّرت موقعها ، بل لأن الصراع قرر أن يمرّ من خلالها .
السؤال لم يعد : هل هذه أخطاء ؟
بل : هل ما نراه هو شكلٌ من أشكال إدارة الضغط ؟
أن تُنقل المواجهة من مركزها … إلى أطرافها .
أن يُخفف العبء عن الجبهة  الأصلية ، بفتحه في جبهات لا تملك القدرة نفسها على الرد .
أن تتحول الجغرافيا المجاورة إلى مساحة امتصاص … لصراعٍ أكبر منها .
السخرية السوداء هنا لا تحتاج إلى مبالغة ؛
ففي عالم تُقاس فيه القوة بالدقة ، تُقاس النتائج أحياناً على أهداف لا علاقة لها بالحرب .
وفي زمن يُفترض أن الردع يمنع الانفلات ، يبدو أن الانفلات يحدث … لكن في الاتجاه الأسهل .
ما يحدث لا يحتاج إلى توصيف قاسٍ ، فالمشهد مكتمل :
حرائق في مرافق مدنية ،
قلق في مدن لم تكن ضمن المعادلة ، وأصوات انفجارات تسبق أي تفسير .
كل ذلك يُعرض على العالم ، ليس كحادثة عابرة ، بل كمشهدٍ يتكرر .
وهنا ، لا يعود السؤال سياسياً فقط ، بل أخلاقياً وقانونياً :
ما موقع المدنيين في هذه المعادلة ؟
وأين تقف مسؤولية المجتمع الدولي ، عندما تتحول الجغرافيا المجاورة إلى مساحة مفتوحة للنيران ؟
المسألة لا تتعلق بإيقاف الحروب ، فهذا مطلب أكبر من الواقع ،
لكنها تتعلق بشيء أكثر وضوحاً :
ألا تتحول حياة الناس خارج الصراع إلى هامشٍ يمكن استهدافه بلا كلفة .
في هذا النوع من الحروب ، لا يكون الخلل في سقوط القذيفة على الجار …
بل في تكرار المشهد ، حتى يبدو وكأنه جزء من القاعدة .
ولا يكون الخطر في اشتعال النار ، بل في اتجاهها الدائم … نحو الأضعف .
قد لا تتوقف الصراعات ، لكن يمكن أن تُفهم على حقيقتها :
ليست أخطاءً عسكرية …
 بل خيارات محسوبة .
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية :
حين لا تعود النيران تبحث عن عدوّها ،
بل عن طريقٍ أقل كلفة للوصول إليه …
لأن أخطر ما في هذه الحروب ،
ليس أنها تشتعل …
بل أنها ، وهي في ذروة دقتها ،
تُحسن اختيار المكان الخطأ … عن قصد .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي