في المشهد الجيوسياسي الراهن لم تعد التوترات بين واشنطن وطهران مجرد صراع إقليمي عابر، بل تحولت إلى مختبر كشف عن تصدعات بنيوية عميقة في منظومة التحالفات الأمريكية – الغربية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن تمرد العواصم الأوروبية ضد التوجهات العسكرية الأمريكية يضعنا أمام قراءة جديدة لموازين القوى الدولية.
أولاً :- أوروبا نمر من ورق
لطالما استندت القوة الأمريكية إلى المظلة الأمنية التي توفرها لحلفائها، لكن وصف الرئيس ترامب لحلف الناتو بأنه “نمر من ورق” والتلويح بالانسحاب منه ضرب العقيدة الأمنية الأوروبية في مقتل، هذا التصريح لم يكن مجرد زلة لسان انتخابية بل عكس تحولاً استراتيجياً أمريكياً نحو البرغماتية الانعزالية.
أمام هذا التحول وجدت أوروبا نفسها في مواجهة معضلة أخلاقية وأمنية تتعلق :-
جغرافياً:- أي حرب مع إيران تعني تدفقاً لملايين اللاجئين نحو القارة العجوز.
اقتصادياً:- تحمل تكلفة تأمين ممرات الطاقة (مثل مضيق هرمز) بشكل منفرد هو انتحار مالي، لذا فإن رفض إسبانيا وإيطاليا وفرنسا تقديم تسهيلات عسكرية لم يكن مناورة بل كان دفاعاً غريزياً عن البقاء الاستراتيجي.
ثانياً: طهران والمناورة في “الفراغ الأطلسي”
نجحت إيران في استغلال هذا التصدع الغربي بذكاء مشهود، فبينما كانت واشنطن تحاول إحكام الضغط الأقصى كانت طهران تفتح مسارات بديلة من خلال :-
استثمار الانقسام:- استغلت الرغبة الأوروبية في الاستقلال الاستراتيجي لتعطيل الإجماع الدولي ضد برنامجها النووي.
تجاوز الغرب:- أدركت القيادة الإيرانية أن الرهان على الوساطة الأوروبية له سقف محدود، فقررت الذهاب إلى أبعد من ذلك عبر التموضع الكامل في الحضن الشرقي (الصين وروسيا).
ثالثاً: ما وراء التكتيك.. نحو نظام عالمي جديد
الذهاب أبعد من ذلك يعني أننا ننتقل من نظام القطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب، إيران اليوم لا تتعامل مع العقوبات كأزمة عابرة بل كدافع لبناء اقتصاد شرقي موازٍ، الشراكة الاستراتيجية مع بكين والتعاون العسكري المتقدم مع موسكو حولا إيران من دولة محاصرة إلى محطة جيوسياسية في مشروع الحزام والطريق الروسي والصيني، هذا التحالف لا يحمي طهران عسكرياً فحسب بل يمنحها شرعية دولية بديلة عن الشرعية التي كانت تمنحها واشنطن أو بروكسل.
رابعًا :- الحقيقة المرة للقوى التقليدية
إن رفض بولندا نقل منظومات باتريوت وامتناع بريطانيا عن الانخراط الواسع هما المسمار الأخير في نعش التبعية المطلقة لواشنطن، نحن أمام واقع جديد يتمحور حول :-
أمريكا:- لم تعد الشرطي العالمي المتطوع بل الشريك المشروط.
أوروبا:- تحاول لملمة شتات أمنها القومي بعيداً عن المغامرات العابرة للقارات.
إيران:- تخرج من عنق الزجاجة الغربية لتجد في الشرق فضاءً أرحب للمناورة والبقاء.
في نهاية المطاف يبقى السؤال الأهم للباحثين والمخططين الاستراتيجيين:-
هل سيصمد النمر الورقي الأوروبي أمام العواصف القادمة؟ أم أننا سنستيقظ قريباً على عالم تقوده تحالفات ولدت من رحم الصراع الإيراني-الأمريكي؟
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
2026/4/8
في الثلاثاء، ٣١ آذار، ٢٠٢٦، ١٢:١٤ ص مهند داخل كزار الزيدي <33muhanad@gmail.com> كتب:
معركة “خرج”: المقامرة الكبرى وتفكيك معادلة الردع الإيرانيمهند ال كزارتقف منطقة الخليج العربي اليوم على أعتاب تحول تاريخي لم تشهده منذ عقود، فمع وصول آلاف الجنود الأمريكيين إلى منطقة القيادة المركزية (CENTCOM) ووضع خطة التدخل البري المحدود فيها، وحسب المعطيات سوف يكون الإنزال البري في جزيرة “خرج”، وبهذا ننتقل من مرحلة الحرب بالوكالة أو الضربات الجراحية إلى مواجهة مباشرة تهدف إلى كسر العمود الفقري للنظام الإيراني، وهذا ليس بالهين ولا بسيط على المنطقة برمتها.إن اختيار جزيرة خرج كهدف رئيسي لعملية برية محدودة هو قرار يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة، فالجزيرة التي تمثل 90% من صادرات إيران النفطية تعتبر الخزانة المركزية التي تعتمد عليها الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا تسمح بهذا السيناريو مهما كان الثمن.يدرك البنتاغون أن تدمير المنشآت جوياً سيخلق كارثة بيئية واقتصادية عالمية، بينما السيطرة البرية تمنح واشنطن صمام أمان للتحكم في تدفق الطاقة، واستخدام الجزيرة كمنصة تفاوضية لا يمكن لطهران تجاوزها، وتساهم في خنق النظام السياسي اقتصاديًا، وهذا ما تعتمد عليه واشنطن في استنهاض الشارع الإيراني.تدرك طهران أن سقوط جزيرة خرج يعني نهايتها اقتصادياً، لذا فإن عقيدتها القتالية الحالية لن تكتفي بالدفاع عن الجزيرة، بل ستتجه نحو توسيع دائرة الألم الاستهداف والسيطرة في المنطقة خصوصًا :-عزل البحرين: وفقاً للمعطيات الميدانية يظل ضرب جسر الملك فهد هو الخطوة الإيرانية الأكثر ترجيحاً، عزل المنامة جغرافياً بهدف لتحويلها إلى ساحة رهائن تساوم بها واشنطن والرياض.استنزاف الكويت: القواعد الأمريكية في الكويت ستكون تحت رحمة الرشقات الصاروخية المكثفة لتعطيل الجسر الجوي والبري، مما يضع الدولة في اختبار أمني هو الأصعب منذ عام 1990.وصف العملية بأنها ستستغرق عدة أسابيع يعكس إدراك القيادة العسكرية الأمريكية لحجم التحصينات الإيرانية، الجزيرة اليوم ملغمة بالكامل، مضادات أفراد وآليات، ومحمية بمنظومات دفاع جوي متنقلة (MANPADS)، وهذا يعني أن القوات البرمائية الأمريكية ستواجه حرب مدن ولكن في بيئة صناعية نفطية معقدة حيث أي خطأ قد يؤدي لانفجارات كارثية.بينما تترقب المنطقة مصادقة الرئيس ترامب على هذا التدخل الخطير يبرز التساؤل:-هل واشنطن مستعدة لتبعات تغيير النظام ؟السيطرة على خرج قد تنهي قدرة النظام على القتال، لكنها قد تفتح باب الفوضى في ممرات الملاحة الدولية.الموقف الخليجي بقيادة السعودية يراقب بحذر؛ فبينما يدعم الحلفاء لجم النفوذ الإيراني إلا أنهم لا يريدون أن تكون عواصمهم (المنامة والكويت) هي الثمن المباشر لهذه العملية.إن عملية خرج هي المحطة الأخيرة في قطار التصعيد، إذا نجحت واشنطن في السيطرة على الجزيرة دون الانزلاق لحرب إقليمية شاملة، سنكون أمام إيران جديدة، أما إذا نجحت إيران في تنفيذ الرد العكسي وعزلت البحرين واستنزفت الكويت، فإن المنطقة ستدخل في نفق مظلم من استنزاف الطاقة والأمن العالمي، وبداية جديدة لمواجهات قد تكن هي الأطول والاعنف منذ سنوات طويلة.ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

