الدولة بين الشعار والعشيرة: لماذا تتكرر الهزيمة؟ – رضوان فارس 

تشكل جمهورية مهاباد محطة مهمة في تاريخ شعبنا، لذا علينا أن نحلل تجربتها بما يليق بقيادتها وظروفها. في ذلك الزمن، كانت القيادة السياسية حاضرة وكان هناك دعم خارجي، لكن الشعب لم يكن منظّمًا بما يكفي، الأمر الذي دفع القيادة إلى الاعتماد على القوة العشائرية، التي كان لها دور أساسي في انهيار الجمهورية لاحقًا. والكل يعلم كيف كان مصير القيادة السياسية والقوة العسكرية بعد ذلك.
ولأن شعبنا، والسياسيين بوجه الخصوص، لم يستفيدوا من تجربة مهاباد، تكررت الكارثة نفسها عام 1975. ومن مهاباد إلى 1991، كان العالم يعيش عصر قيام الدولة القومية، لكن السياسيين لم يستطيعوا تنظيم المجتمع، فبقيت القضية ضحية مصالح عائلية ضيقة، ولم يتم استثمار التحولات الدولية، ومنها الحرب الباردة، بالشكل الصحيح.
الذين فشلوا في تنظيم المجتمع وبناء المؤسسات الحزبية والإدارية، عليهم أن يعيدوا النظر في أدواتهم الفكرية، وأن ينفتحوا على الفلسفة السياسية بدل الاكتفاء بالانتقاد. فلا العقل ولا المنطق يقبلان تحميل الأفكار الجديدة مسؤولية فشلٍ سبق وجودها أصلًا.
أعتقد أن مرحلة نشوء الدولة القومية قد تجاوزها الزمن، ونحن اليوم في مرحلة الدفاع عن الكيانات القائمة. فإما أن تدخل هذه الكيانات في تحالفات إقليمية ودولية قوية، أو تبحث عن وسائل ردع تحمي وجودها، وإلا فإنها ستبقى مهددة بالانهيار. كما أن تجربة الدولة القومية نفسها أدت إلى حربين عالميتين، ما يطرح تساؤلًا حول كونها الحل النهائي.
فشلت ثوراتُكم في تحقيق أهدافها الكاملة، أمّا هذه فهي انتفاضتنا التي تحوّلت إلى حكومة وبرلمان، لكنها لم تتمكّن حتى اليوم من التطور بسبب هيمنة العقلية التقليدية، وما زالت تعاني من عجز في تقديم نموذج خدمي مستقر.
ومن أجل تطوير هذه التجربة، يمكن طرح فكرة إنشاء مجلس شيوخ في باشور، يضم ممثلين عن العشائر، يكون دورهم مرحليًا لتجاوز حالة الانسداد السياسي، خاصة بعد مرور أكثر من عام على الانتخابات دون تشكيل حكومة خدمية فعالة.
يمكن أن يُطرح هذا المجلس كصيغة تنظيمية مؤقتة تستفيد من فكرة المجالس العليا في بعض التجارب السياسية، مثل مجلس الشيوخ في النظام الأمريكي أو مجلس اللوردات في بريطانيا، لا من باب الاستنساخ الحرفي، بل من حيث المبدأ العام الذي تقوم عليه هذه المؤسسات في تحقيق التوازن والاستقرار داخل النظام السياسي. غير أن الاختلاف الجوهري يبقى في السياق؛ فهنا لا نتحدث عن دولة مستقرة بمؤسسات مكتملة، بل عن مرحلة انتقالية تحتاج إلى إدماج القوى الاجتماعية الفاعلة، ومنها البنية العشائرية، ضمن إطار مؤسساتي منظم بدل تركها تعمل خارج الدولة أو في مواجهتها.
وهنا تبرز مسألة أساسية لا يمكن تجاوزها: كلنا راعٍ، وكلنا مسؤول عن رعيته. فالمسؤولية لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم، بل تشمل المثقفين، والكتّاب، والقادة الاجتماعيين، وكل من يدّعي الحرص على مصلحة الشعب. فإما أن نتحمل مسؤولياتنا بصدق، أو نستمر في إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع إصلاحي لا يجب أن يبقى أسير الشعارات، بل أن يتحول إلى ممارسة حقيقية تُبنى على تنظيم المجتمع، لا على استثماره. لأن الهزيمة لا تتكرر صدفة، بل حين نبقي الأسباب نفسها… وننتظر نتائج مختلفة.