بین الواقع والخيال ینبع التجديد والإبداع – د. عبدالباقي مایی

 

نحن نعيش في مساحةٍ غير مرئية بين واقع ملئ بالمآسي والنكبات و خیال یحتوی علی ما نحلم به من آمال وأمنيات تبدو بعيدة المنال. هذا ما یشكل بذور التجديد علی شكل أفكار و مشاعر إیجابیة لتكون بديلة عن تلك الأفكار والمشاعر السلبية التی تجلبها تلك الخبرات السلبية. من خلال هذه العملیة الفكرية یوفر لنا الخیال بديلا إیجابیا بتزويدنا من خلال فهم و إدراك  الواقع المؤلم وجعله مجالا إیجابیا خصبا لعبور الأزمات .

و عندما نعيش وضعا قاسيا أو نتعرض لحادث مؤلم فی واقعنا الیومی نقع فی أزمة نفسية تحتوي علی تحديات من جهة و فرص للتغییر والتجديد والتطور من جهة أخری. فكل أزمة نفسية تحتوي علی هاتين الجهتين معا علی شكل وجهين لعملة واحدة. و نحن مجهزون ببرامج فی جيناتنا تحمل الآلات الضرورية لعبور الأزمات واستعمالها كمحطات للتطور والبناء. فهی تساعدنا علی القيام بتهيئة الأجواء المناسبة  لتولد فی ضميرنا و أفكارنا شرارة الإبداع و نشوة الإختراع و بهجة الإبتكار بعد أن نتهيأ للتحضير للتغییر والتجديد .

الواقع يمنحنا المادة الخام فی الطبیعة التی تتكون أساسا من تربة خصبة ومياه كریمة وشمس ساطعة تبعث بالعیش والنمو والتطور. و يضع الواقع فی خدمتنا ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا من إمكانات فی جيناتنا وخبرات فی عاداتنا و تقاليدنا، و یعرضنا التعايش مع الواقع الیومی لتحديات و إختبارات كثيرة یجب علينا تحمل مسۆلیة إتخاذ القرار في إختیارها وعبورها لكی نستمر فی مقاومة الضغوط وتجاوز الصعوبات. و یضعنا الواقع أیضا أمام أسئلة جمة يفترض بنا أن نجيب عليها و نعمل بما یرد فی أجوبتها، بينما يفتح الخيال أبواب الاحتمالات اللامحدودة، ويمنح العقل حرية إعادة تشكيل العالم كما ينبغي أن يكون لا كما هو كائن.

من هذا التفاعل الخلّاق بين الواقع و الخيال، تنبثق الأفكار الجديدة التي تدفع بالإنسان إلى الأمام. فالواقع يقودنا إلى التكرار لأنه يفرض حدودًا وقواعد وتجارب مألوفة. أما الخيال فقد يبقى معلقًا في الفراغ إن لم يجد ما يستند إليه من تجربة ملموسة. لكن عندما يلتقي الواقع بالخيال، يتحول التحدي إلى فرصة، والمألوف إلى بداية جديدة. فالمخترع، مثلًا، ينطلق من مشكلة حقيقية، ثم يتخيل حلًا لم يوجد بعد. والكاتب يستمد من الحياة اليومية تفاصيله ليعيد صياغتها عبر الخيال بعد أن یدمجها بالأفكار التی تحفز المشاعر، سلبية كانت أم إیجابیة، لتعبر عنها بإنتاجه. فالأفكار السلبية تنتجها الخبرة الأليمة وتحفز بدورها مشاعر سلبية تۆدی إلی سلوك سلبي، و الخبرات المفرحة تولد أفكار إیجابیة بناءة لكی تحفز عواطف إیجابیة و تۆدی إلی سلوك إیجابی بناء. تنتج جمیع هذه الأفكار والمشاعر والمواقف، سلبية كانت أو إیجابیة،  تعبیرا” متناسقا لتلك الأحداث و الخبرات وذلك لخلق عوالم جديدة هی أوسع من سابقتها و أكثر منها عمقًا و معنى.

لقد كان تاريخ الإبداع الإنساني شاهدًا على هذه العلاقة الجدلية بین الواقع و الخيال. فكل اختراع عظيم بدأ بفكرة بدت خيالية في بدايتها و زمانها، وكل عمل فني مؤثر استند إلى واقع إنساني ملموس و مۆثر، لكنه تجاوز حدوده ليكشف ما لا يُمكن رۆیته فی الواقع الملموس ولا یظهر تأثيره الفعال إلا بعد دمجه بالخيال الشخصي. فالخيال لا يهرب من الواقع، بل يعيد تفسيره، ويمنحه أبعادًا جديدة، ويقترح مسارات لم تكن مطروقة من قبل. كما أن الخيال يمنح الإنسان القدرة على نقد الواقع دون الوقوع في أسرِه. فمن خلال تصور بدائل أفضل، يستطيع العقل أن يتحرر من الجمود ويقترح طرقًا جديدة للتفكير والعمل. وهكذا يصبح الإبداع فعلًا تحويليًا، لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى تغييره. ومن هنا، فإن المجتمعات التي تشجع الخيال وتحتضن التفكير الحر، هي الأكثر قدرة على التجدد والتطور.

التجديد الحقيقي لا يولد من رفض الواقع أو الهروب منه، ولا من الاكتفاء بالخيال المجرد، بل من التوازن بينهما. فالخيال یزود الواقع بأجنحة، والواقع یجهز الخيال بجذور. وبين الأجنحة والجذور، يولد الإبداع حيًا قادرًا على التحليق دون أن يفقد صلته بالواقع. هكذا يبقى الإنسان مبدعًا ما دام قادرًا على أن يرى في الواقع ما يمكن أن يكون، وأن يحول ما يتخيله إلى خطوة نحو المستقبل. فبين الواقع والخيال، لا تتشكل الأفكار فقط، بل يتشكل العالم الجديد أیضا.