في زمنٍ تُدار فيه الحروب بقدر ما تُخاض، لا يبدو وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى حدثاً يمكن قراءته بسطحية العناوين أو بلغة البيانات الرسمية. فكل هدنة في هذا الشرق المضطرب تحمل في طياتها ما هو أبعد من الصمت المؤقت للبنادق، إنها نصّ غير مكتمل كُتب نصفه في العلن ونُقش نصفه الآخر في الظل.
ليس من السهل تصديق أن وقف إطلاق النار هو نهاية لصراعٍ بهذه التعقيدات. الأرجح أنه استراحة محارب لحظة يلتقط فيها الجميع أنفاسهم لا بدافع التعب فقط بل لإعادة ترتيب الأوراق وإعادة تعريف الأهداف وربما أيضا لإعادة رسم حدود الاشتباك. ففي عالم السياسة لا تتوقف الحروب… بل تغيّر أشكالها.
ثم يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً، من الذي أراد هذه الهدنة حقاً؟
هل جاءت نتيجة ضغوط الميدان حيث وصلت المواجهة إلى حافة لا يمكن تجاوزها دون خسائر غير محسوبة؟ أم أنها ثمرة حسابات داخلية لكل طرف يخشى فيها القادة من كلفة الاستمرار أكثر مما يخشون تبعات التراجع؟
في ظاهر الاتفاق قد يبدو أن هناك توازناً ما قد تحقق. لكن في العمق لا أحد يخرج من هدنة دون أن يحمل في جيبه شعوراً خفياً بأنه كسب شيئاً أو خسر شيئاً آخر لم يُعلن. فهل نحن أمام توازن قوة حقيقي، أم مجرد اختلال مؤجل سيظهر عند أول اختبار جدي؟
أما الحروب التي لا تُعلن فهي أكثر صدقاً من البيانات الرسمية. فهل ستصمت ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان فعلاً؟ أم أن النار ستبقى مشتعلة هناك لكن بأسماء مختلفة وواجهات جديدة؟ في هذا الشرق لا تحتاج الحروب إلى إعلان… يكفي أن تتوفر لها الرغبة.
وإذا كانت إسرائيل قد قبلت بالهدنة فهل يعني ذلك أنها تخلّت عن منطق الضربات الاستباقية؟ أم أنها فقط قررت أن تغيّر قواعد اللعبة فتنتقل من المواجهة المباشرة إلى حرب الظل؟
وفي المقابل هل ربحت إيران الوقت لتعيد ترتيب أوراقها أم أنها وجدت نفسها مضطرة للقبول بلحظة هدوء لا تشبه طموحاتها؟
تبقى الولايات المتحدة في موقعها المعتاد لاعبٌ لا يريد الحرب الشاملة، لكنه لا يتخلى عن إدارة الصراع. فهي لا تسعى دائماً إلى إنهاء الأزمات بقدر ما تسعى إلى ضبط إيقاعها، بحيث لا تخرج عن السيطرة ولا تنتهي بالكامل.
لكن وسط كل هذه الحسابات يظل السؤال الأكثر قسوة، ماذا عن الناس؟
هل تغيّر الهدنة شيئاً في حياة المدنيين الذين عاشوا تحت ظل الخوف؟ أم أن الألم يستمر بصمت حتى عندما تتوقف الطائرات عن التحليق؟
ثم هناك ذلك الغموض الذي يلفّ كل اتفاق من هذا النوع.
هل هو اتفاق مكتوب بضمانات واضحة؟ أم مجرد تفاهم ضمني قائم على توازن هش من المصالح؟ وإذا كان كذلك، فمن يضمن استمراره؟ ومن يملك القدرة على فرضه إذا قرر أحد الأطراف كسره؟
وربما الأهم من كل ذلك ماذا جرى خلف الأبواب المغلقة؟
ما هي التنازلات التي لم تُعلن؟ وما هي الصفقات التي رُبطت بهذه الهدنة؟
ففي السياسة لا توجد هدايا مجانية… كل هدوء له ثمن حتى لو لم يُدفع فوراً.
في النهاية، لا يبدو وقف إطلاق النار هذا سوى فصلٍ جديد في رواية طويلة لم تُكتب نهايتها بعد. قد يراه البعض بداية انفراج وقد يراه آخرون مجرد هدوء ما قبل العاصفة. لكن المؤكد أن الصراع لم ينتهِ بل غيّر لغته فقط.
وهنا يبقى السؤال معلقاً، هل نحن أمام سلامٍ مؤجل أم حربٍ مؤجلة؟

