على وقع اللقاءات الأخيرة في دمشق ، لا يبدو أن ما يجري يقتصر على بحث تقني في “آليات دمج”، بقدر ما يفتح الباب أمام سؤال أعمق ظل مؤجلاً لسنوات :
أيُّ سوريا تتشكل اليوم ؟
وعلى أي أساس تُبنى ؟
إن اجتماع قيادة قوات سوريا الديمقراطية مع مسؤولي الدولة السورية ، بما يحمله من رمزية وتوقيت ، يتجاوز كونه محطة سياسية عابرة ، ليضع الجميع أمام اختبار حقيقي يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة ،
لا فقط بتفاصيلها .
فالمسألة ، في جوهرها ، لا تتعلق بدمج قوى عسكرية أو إعادة ترتيب هياكل أمنية ، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف ،
وبين الدولة ومكوناتها .
وهذا ما يجعل من هذه اللقاءات لحظة مفصلية ، ليس لأنها تقدم حلولاً جاهزة ، بل لأنها تطرح الأسئلة التي لم يعد من الممكن تأجيلها .
فبعد سنوات من الصراع ، لم تعد سوريا كما كانت ، ولم يعد من الممكن التعامل معها بالمنطق نفسه الذي سبق الأزمة ، سواء على مستوى السلطة أو على مستوى البنية الاجتماعية والسياسية .
في هذا السياق ، يبرز مفهوم “الشرعية” كأحد أكثر المفاهيم تعقيداً والتباساً .
إذ لم يعد ممكناً اختزاله في اعتراف سياسي أو إطار قانوني جامد ، بقدر ما بات يرتبط أيضاً بالقدرة على إدارة حياة الناس وتوفير قدر من الاستقرار . ففي روج آفا وعلى نطاق اوسع شمال وشرق سوريا ، نشأت خلال السنوات الماضية تجربة إدارية وأمنية استطاعت ، في ظروف بالغة الصعوبة ، أن تدير شؤون ملايين السوريين ، وأن تفرض نوعاً من التنظيم في بيئة مضطربة .
وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جدي حول المستقبل .
وفي المقابل ، فإن السلطة في دمشق ، رغم حضورها المركزي ، ما تزال تعمل ضمن سياق انتقالي لم يُحسم بعد على مستوى التمثيل الدستوري الكامل ، ما يجعل مسألة الشرعية فيها مرتبطة أيضاً بتوازنات قائمة ، أكثر من كونها تعبيراً عن عقد اجتماعي مكتمل .
من هنا ، فإن أي حديث عن “دمج” لا يمكن أن يقوم على افتراض تفوق طرف على آخر ، بل على الاعتراف بأن سوريا اليوم أمام واقع مركب ، يتطلب مقاربة مختلفة تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الأطراف كافة ، لا على إعادة إنتاج نماذج سابقة أثبتت محدوديتها . فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب القوة ، بل في كيفية استخدامها ،
وفي الإطار الذي تُمارس ضمنه .
وإذا كانت الوقائع على الأرض تفرض هذا التعقيد ، فإن اللغة السياسية بدورها تكشف الكثير . فغياب مفردات مثل “الديمقراطية” و”التعددية” من الخطاب الرسمي، مقابل التركيز على “السيادة” و”وحدة القرار”، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل لغوي. بل هو مؤشر على اتجاه واضح نحو تثبيت المركز أكثر من إعادة تعريفه. وفي لحظة يُفترض أنها تأسيسية، يصبح هذا الغياب سؤالاً بحد ذاته: هل نحن أمام مشروع دولة تستوعب تنوعها، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج سلطة بصيغة أكثر تماسكا؟
هذا السؤال لا يخص طرفاً بعينه، بل يمسّ مجمل المسار السوري. لأن أي حل لا يأخذ بعين الاعتبار التعدد القائم، سيبقى حلاً مؤقتاً، مهما بدا مستقراً في بدايته. وفي المقابل، فإن أي مقاربة تتجاهل فكرة الدولة الجامعة، لن تكون قادرة على إنتاج استقرار حقيقي. بين هذين الحدّين، تبرز الحاجة إلى طريق ثالث، لا يقوم على كسر الإرادات، ولا على القطيعة، بل على تنظيم العلاقة ضمن إطار قانوني يضمن الحقوق ويحدد الواجبات.
وهنا يتحول “الدمج” إلى اختبار سياسي وأخلاقي في آنٍ واحد. فالمطلوب ليس فقط توحيد قوى، بل الاتفاق على شكل الدولة التي تستوعب الجميع دون أن تُلغي أحداً . إن الاستقرار الذي يُبنى على الغلبة يظل هشاً ، مهما طال أمده ، بينما الاستقرار الذي يقوم على التفاهم ، يمتلك فرص البقاء .
وهذا ما يجعل من الحوار ، بكل تعقيداته ، الخيار الأقل كلفة والأكثر واقعية ، مهما بدا بطيئاً أو شاقاً .
ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في الوصول إلى اتفاق ، بل في القدرة على تحويله إلى واقع قابل للحياة .
والتجربة السورية مليئة بالتفاهمات التي لم تصمد ، لا لغياب النصوص ، بل لغياب الثقة والضمانات .
ومن هنا ، فإن أي مسار جدي يتطلب الانتقال من منطق إدارة الملف إلى منطق حله ،
ومن عقلية الاحتواء إلى مفهوم الشراكة ،
ومن لغة الغلبة إلى لغة القانون .
فالقانون ، حين يكون عادلاً ، لا يُضعف أحداً ، بل يحمي الجميع ، ويمنح كل طرف مساحة يشعر فيها بالأمان داخل الدولةة، لا على هامشها .
ولست أكتب هذا من موقع حياد بارد ، بل من موقع انتماء مزدوج ،
كردي الهوية من ( روج آفا ) وسوري الانتماء و ثمة انتماء حاضر في خلفية هذا النص ، كما هو حاضر في وجدان كل سوري . لكن هذا الانتماء ، بالنسبة لي لا يقود إلى الإقصاء ، بل إلى البحث عن صيغة لا يُطلب فيها من أحد أن يتنازل عن هويته كي يُعترف به مواطناً .
وإن سوريا التي يمكن أن تنهض ليست تلك التي تُذيب مكوناتها ،
ولا تلك التي تجعل من اختلافها عبئاً ،
بل تلك التي ترى في هذا التنوع مصدر غناها الحقيقي .
أن يشعر كل سوري ،
أيّاً كانت قوميته أو طائفته ،
أنه مواطن كامل الحقوق ،
مصان الكرامة ،
وملتزم في الوقت ذاته بواجباته ، ليس مطلباً مثالياً ، بل هو الأساس الوحيد لدولة قابلة للاستمرار .
والدول لا تُبنى بالقوة وحدها ،
بل بالقبول ،
ولا تستمر بالهيمنةة،
بل بالتوازن .
في النهاية ،
ما يجري اليوم في دمشق ليس حلاً بحد ذاته ، بل بداية اختبار جديد .
إما أن يفتح الباب أمام تفاهمات تؤسس لدولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون ،
أو يتحول إلى محطة أخرى في مسار طويل من التأجيل .
وبين هذين الاحتمالين ، يبقى الخيار الحقيقي ليس في من يمتلك القوة ، بل في كيفية استخدامها :
هل تكون أداة لفرض الواقع ، أم وسيلة لبناء مستقبل مشترك ؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد عن أيّ سوريا نكتب اليوم …
وأيّها سنعيش غداً .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

