في التاسع من هذا الشهر ، تمرّ 39 سنة على انطلاق ما سُمّي بـ“حملات الأنفال”.
وللتذكير فقط ، لم يكن منفذو تلك الحملات يُخفون ما يفعلون ،
في ذلك الوقت ، ولم تُقدَّم الأنفال كجريمة ،
بل كـ“إنجاز”.
ولم يُخفَ القتل ،
بل أُدرج ضمن سجلّات الحكومية الرسمية .
أكثر من 182 ألف مدني …
لم يكونوا ضحايا خطأ ،
ولا نتيجة جانبية لصراع ،
بل كانوا هدفاً مباشراً لسياسة مُعلنة ،
نُفّذت بثقةٍ لافتة ،
وبلغة لا تعرف التردد .
القرى أُزيلت ،
والناس اختفوا ،
والسجلات امتلأت ،
ثم قُدّم كل ذلك … كجزء من “نجاح الدولة”.
والمفارقة التي يصعب تجاوزها ،
أن هذه الجريمة لم تُغلَّف فقط بالدعاية ،
بل أيضاً باللغة الدينية .
أن تُسمّى إبادة جماعية بـ“الأنفال”،
فهذا لا يضيف شرعية ،
بل يكشف حجم الاستهانة :
بالدين حين يُستخدم ،
وبالضحايا حين يُمحون .
اليوم ، وبعد كل هذه السنوات ،
لم يعد النقاش حول ما إذا كانت الأنفال جريمة إبادة جماعية .
هذا حُسم .
لكن ما لم يُحسم بعد ،
هو ما يلي الاعتراف .
هناك إقرار …
لكن بلا إغلاق .
هناك إدانة …
لكن بلا محاسبة مكتملة .
وهناك ذاكرة حاضرة …
لكن بلا عدالة ناجزة .
وفي هذا السياق ، تتكرر المواقف الرسمية ، ومنها ما يؤكد عليه رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ، بشأن ضرورة تثبيت التوصيف القانوني كجريمة إبادة جماعية ، واستكمال مسار الاعتراف والتعويض .
لكن الإشكال لم يعد في التوصيف ،
بل في ما بعد التوصيف .
لأن ما جرى لم يكن سراً ،
ولا لغزاً ،
ولا حتى محل إنكار حقيقي في لحظته .
بل كان وهنا المفارقة الثقيلة
موضع تباهٍ .
ولهذا ، فإن بقاء الملف مفتوحاً حتى اليوم ،
لا يمكن تفسيره بنقص الأدلة ،
ولا بتعقيد الوقائع ،
بل بشيء واحد :
تأجيل الحسم .
تأجيلٌ طويل ،
يحوّل الجريمة من حدث يجب إنهاؤه ،
إلى ملف يمكن إدارته .
وهنا تحديداً ، تصبح السخرية ممكنة … ومؤلمة في آنٍ معاً :
أن تُرتكب الجريمة علناً ،
ثم يُؤجَّل إنصاف ضحاياها بصمت .
أن يُعرف الفعل ،
ويُعرَف الفاعل ،
لكن تبقى العدالة … قيد النقاش .
الأنفال اليوم ليست فقط مأساة ،
بل معيار .
معيار لمدى قدرة أي نظام سياسي على أن يُنهي ما بدأه سلفه :
لا بالإنكار ،
ولا بالتجاهل ،
بل بالعدالة .
بعد 39 عاماً ،
لا تزال الأنفال اختباراً مفتوحاً … لا للذاكرة فقط ، بل للضمير السياسي أيضاً .
اختبارٌ لا يتعلق بإدانة ما جرى فهذه مسألة حُسمت ،
بل بكيفية التعامل مع نتائجه حتى اليوم .
وحين تبقى الجريمة بلا إغلاقٍ عادل ،
وتبقى العدالة مؤجلة ،
وفي الوقت نفسه لا يزال هناك من يجد في تلك المرحلة ما يستحق الحنين أو التبرير ،
فإن المشكلة لا تعود في الماضي وحده ،
بل في الحاضر الذي لم يحسم موقفه منه بعد .
وعند هذه النقطة تحديداً ،
لا تعود الأنفال مجرد ذكرى مؤلمة ،
بل سؤالاً مستمراً :
هل تغيّر كل شيء فعلاً …
أم أن ما تغيّر هو اللغة فقط ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

