حين يصبح النزيف مسألة سياسية  / غه زال مولان /  بقلم  جمال جاف 

 

 

ليست المأساة في جوهرها أن يموت الإنسان متاثراً بجراحه ، فالموت مهما بدأ يظل نتيجة يمكن فهمها في سياق الحرب .

المأساة الأعمق هي أن يُفقد الجريح قبل أن يُفقد جسده ، أن يتحول وهو مايزال ينزف ، من انسانٍ يستحق النجاة الى مسالة قابلة للتاجيل او التردد أو حتى للمساومة .

في قصة الشابة  الكوردية الثائرة ضد الطغيان غه زال مولان ، لاتقف فقط أمام اصابة لم تسعف في وقتها ، بل امام لحظة التباس أخلاقي : 

متى يتوقف الجريح عن كونه أولوية ؟

ومتى يبدأ العالم بالنظر إليه بوصفه عبءاً أو اشكالاً أو خطراً سياسياً  ؟ 

هنا لا يعود السؤال طبياً بحثاً  فالجراح في ذاتها لاتحمل معنى اخلاقياً ، 

انها مجرد تمزق في الجسد لكن ما يمنحها معناها هو الاستجابة لها  : 

هل تُرى ؟ هل تُعالج ؟ أم تُترك لتُبرر ؟ . 

 

حين تتدخل السياسة لاتنكر الجرح لكنها تُعيد تعريفه يصبح النزيف أقل الحاحاً من الهوية ويغدو الألم خاضعاً للتصنيف .

في تلك اللحظة يُفقد الجريح ليس لأنه مات ، بل لأنه لم يعد يُعامل كمن يجب أن يعيش .

 

هذا الفقدان هو أكثر أشكال العنف خفاء لأنه لا يُسجل كجريمة واضحة ولايُرى كفعل مباشر بل مساحة صمت ، متأخر ، متردد , قرار لم يتخذ ومع ذلك هو عنف كامل لأن النتيجة واحدة حياة لم تُنقذ ، كان يُمكن أن تُنقذ .

 

لقد حاولت الانسانية ، عبر مبادئ اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تضع حداً أدنى لايُمس أن يبقى الجريح خارج الحسابات لا لأن العالم عادل ، بل لأن بقاء هذه المساحة هو ما يمنع الانزلاق الكامل نحو اللامعنى .

فالطب في هذه الرؤية ليس مجرد مهنة ، بل تعهد بأن الانسان حين يضعف الى اقصى حد لن يُترك وحدة .

لكن هذا التعهد هش ، فحين  تُثقل السياسة يد الطبيب وحين تحاصر المؤسسات بوقائع أكبر منها ، لايختفي المبدأ فجأة بل يتآكل ، يبدأ كاستثناء ، ثم يتحول الى احتمال ثم الى صمت مقبول ، وهنا لا يُفقد الجريح فقط بل يُفقد المعنى الذي يفترض أن يحميه .

( غه زال مولان ) في هذا السياق ، ليست مجرد اسم في خبر عاجل بل لحظة كاشفة : 

هل مازال الجريح يُرى بوصفه انساناً اولاً ، أم أصبح يُرى من خلال ما يمثله ؟

اذا كان الجواب غير محسوم ، فإن الفقدان قد حدث بالفعل .

ليس فقدان الجسد ، بل فقدان الجريح ذاته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *