نجاح الحلبوسي لم يكن وليد اللحظة بل جاء نتيجة تبني نهج سياسي مختلف عن السائد في البيئة السنية التقليدية، فبدل الاعتماد على الخطاب الطائفي أو استثمار المظلومة قدم نفسه كسياسي براغماتي يميل إلى الواقعية والتفاهم مع مختلف الأطراف خصوصًا القوى الشيعية، هذه الصفات منحته مرونة عالية في الحركة داخل النظام السياسي.
عند مقارنة الحلبوسي مع قيادات سابقة مثل أسامة النجيفي وطارق الهاشمي يتضح حجم التحول، إذ ارتبطت تلك المرحلة بخطابات أكثر حدة وصدامًا مع مراكز القرار، بينما اختار الحلبوسي إدارة التوازنات بدل كسرها ما ساعده على تثبيت موقعه وتعزيز نفوذه تدريجيًا.
خروجه من رئاسة مجلس النواب شكل لحظة مفصلية في حياته السياسية، لكنها لم تتحول إلى نهاية لمسيرته بل تحولت إلى نقطة إعادة انطلاق، فقد استطاع إعادة ترتيب أوراقه بسرعة وتعزيز حضوره داخل المكون السني وتحويل حزب تقدم إلى قوة سياسية مؤثرة، بل وصل إلى حد طرح معادلة واضحة مفادها أن منصب رئيس الجمهورية لا يمكن أن يحسم دون موافقة كتلته في إشارة إلى حجم التأثير الذي بات يمتلكه.
بروز المكون السني وتحول ميزان التأثير
تزامن هذا الصعود مع إعادة تموضع واضحة للمكون السني داخل العملية السياسية بعد سنوات من التشتت وضعف التأثير، إذ لم يعد هذا المكون في موقع رد الفعل بل أصبح شريكًا فاعلًا في صياغة القرار السياسي، وجاء اختيار نزار أوميدي رئيسًا للجمهورية ليعكس هذا التحول، حيث برزت إرادة سنية أكثر تنظيمًا وقدرة على فرض شروطها ضمن التوازنات الكبرى، هذا التطور يعكس انتقال المكون السني من الهامش إلى قلب المعادلة السياسية مدعومًا بقيادة تمتلك أدوات تفاوض أكثر فاعلية.
من أبرز سمات المرحلة الراهنة هو التحول في طبيعة التحالفات السياسية التي لم تعد قائمة على الانقسام الطائفي الصارم بل على أساس المصالح والتقاطعات المرحلية، هذا التغير أتاح لشخصيات مثل الحلبوسي الانخراط في تحالفات عابرة للهويات التقليدية وجعلها جزءًا من معادلات أوسع، فقد باتت التحالفات الجديدة أقرب إلى محاور نفوذ تضم أطرافًا مختلفة يجمعها هدف محدد سواء في تشكيل الحكومات أو إدارة السلطة أو توزيع المناصب، ورغم أن هذا النمط يعكس قدرًا من النضج السياسي إلا أنه يبقى عرضة للاهتزاز عند تعارض المصالح ما يجعله سلاحًا ذا حدين.
في المحصلة تمثل تجربة محمد الحلبوسي نموذجًا لتحول القيادة السنية نحو نمط أكثر براغماتية وارتباطًا بواقع الدولة، فقد نجح في الجمع بين تمثيل مكونه وبناء شراكات عابرة للطوائف مستفيدًا من التحولات التي يشهدها النظام السياسي، لكن هذا المسار يبقى محكومًا بتحديات معقدة أبرزها الحفاظ على التوازن بين مطالب القاعدة الشعبية ومتطلبات الشراكة السياسية، وهنا ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة:
هل سيستمر هذا النموذج كتحول دائم أم أنه مجرد استجابة ظرفية لواقع سياسي متغير؟
الإجابة لا تتعلق بمستقبل الحلبوسي وحده بل بمستقبل التمثيل السني، بل وربما بشكل العملية السياسية العراقية ككل.
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
20264/19
جيوسياسية التمرد: قراءة في تداعيات الانقسام الأوروبي-الأمريكي حيال الملف الإيراني.مهند ال كزارفي المشهد الجيوسياسي الراهن لم تعد التوترات بين واشنطن وطهران مجرد صراع إقليمي عابر، بل تحولت إلى مختبر كشف عن تصدعات بنيوية عميقة في منظومة التحالفات الأمريكية – الغربية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن تمرد العواصم الأوروبية ضد التوجهات العسكرية الأمريكية يضعنا أمام قراءة جديدة لموازين القوى الدولية.أولاً :- أوروبا نمر من ورقلطالما استندت القوة الأمريكية إلى المظلة الأمنية التي توفرها لحلفائها، لكن وصف الرئيس ترامب لحلف الناتو بأنه “نمر من ورق” والتلويح بالانسحاب منه ضرب العقيدة الأمنية الأوروبية في مقتل، هذا التصريح لم يكن مجرد زلة لسان انتخابية بل عكس تحولاً استراتيجياً أمريكياً نحو البرغماتية الانعزالية.أمام هذا التحول وجدت أوروبا نفسها في مواجهة معضلة أخلاقية وأمنية تتعلق :-جغرافياً:- أي حرب مع إيران تعني تدفقاً لملايين اللاجئين نحو القارة العجوز.اقتصادياً:- تحمل تكلفة تأمين ممرات الطاقة (مثل مضيق هرمز) بشكل منفرد هو انتحار مالي، لذا فإن رفض إسبانيا وإيطاليا وفرنسا تقديم تسهيلات عسكرية لم يكن مناورة بل كان دفاعاً غريزياً عن البقاء الاستراتيجي.ثانياً: طهران والمناورة في “الفراغ الأطلسي”نجحت إيران في استغلال هذا التصدع الغربي بذكاء مشهود، فبينما كانت واشنطن تحاول إحكام الضغط الأقصى كانت طهران تفتح مسارات بديلة من خلال :-استثمار الانقسام:- استغلت الرغبة الأوروبية في الاستقلال الاستراتيجي لتعطيل الإجماع الدولي ضد برنامجها النووي.تجاوز الغرب:- أدركت القيادة الإيرانية أن الرهان على الوساطة الأوروبية له سقف محدود، فقررت الذهاب إلى أبعد من ذلك عبر التموضع الكامل في الحضن الشرقي (الصين وروسيا).ثالثاً: ما وراء التكتيك.. نحو نظام عالمي جديدالذهاب أبعد من ذلك يعني أننا ننتقل من نظام القطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب، إيران اليوم لا تتعامل مع العقوبات كأزمة عابرة بل كدافع لبناء اقتصاد شرقي موازٍ، الشراكة الاستراتيجية مع بكين والتعاون العسكري المتقدم مع موسكو حولا إيران من دولة محاصرة إلى محطة جيوسياسية في مشروع الحزام والطريق الروسي والصيني، هذا التحالف لا يحمي طهران عسكرياً فحسب بل يمنحها شرعية دولية بديلة عن الشرعية التي كانت تمنحها واشنطن أو بروكسل.رابعًا :- الحقيقة المرة للقوى التقليديةإن رفض بولندا نقل منظومات باتريوت وامتناع بريطانيا عن الانخراط الواسع هما المسمار الأخير في نعش التبعية المطلقة لواشنطن، نحن أمام واقع جديد يتمحور حول :-أمريكا:- لم تعد الشرطي العالمي المتطوع بل الشريك المشروط.أوروبا:- تحاول لملمة شتات أمنها القومي بعيداً عن المغامرات العابرة للقارات.إيران:- تخرج من عنق الزجاجة الغربية لتجد في الشرق فضاءً أرحب للمناورة والبقاء.في نهاية المطاف يبقى السؤال الأهم للباحثين والمخططين الاستراتيجيين:-هل سيصمد النمر الورقي الأوروبي أمام العواصف القادمة؟ أم أننا سنستيقظ قريباً على عالم تقوده تحالفات ولدت من رحم الصراع الإيراني-الأمريكي؟ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

