الوطن ليس على مقاس أحد – محمد ديب أحمد

 

في هذه البلاد…
لا نعاني من قلّة في السلطة ،
بل من فائضٍ في “المقاسات الكبيرة”.
الجميع هنا أكبر من موقعه ،
وأكبر من بلده ،
وأحياناً—وهنا المفارقة—أصغر من نفسه بكثير .
من أدنى السلم إلى أعلاه ،
تمرّ العدوى ذاتها :
ما إن يلمس الإنسان شيئاً من السلطة ،
حتى يبدأ بقياس العالم على مقاسه…
لا أن يقيس نفسه على العالم .
يختلفون في الألقاب ،
لكنهم يتشابهون في المرآة :
كلٌّ يرى فيها قائداً تاريخياً مؤجلاً ،
أخطأه الزمن… أو ضيّق عليه المكان .
يُروى أن الحبيب بورقيبة
كان يرى أن بلداً صغيراً كـتونس
لا يتّسع لطموحه ،
وأن شخصيته تستحق جغرافيا أوسع .
قد تبدو الحكاية طريفة ،
لكنها ليست استثناءً…
بل نسخة مكبّرة عمّا يحدث كل يوم .
في بلادنا ،
لا أحد يرى الكرسي بحجمه الحقيقي ،
بل يراه دائماً أصغر مما يجب ،
وكأنه خُلق ليُعدَّل على قياس الجالس عليه .
وهنا تبدأ الحكاية الخطرة :
حين يتحوّل المنصب إلى مقياس للحقيقة ،
والرأي إلى ما يشبه النصوص المقدسة ،
والاختلاف إلى خطأ أخلاقي لا فكري .
في سوريا—حيث ضاقت البلاد بأهلها—لم تضق يوماً بطموحاتهم .
كلٌّ يريد وطناً على قياسه ،
فصار الوطن مقاساتٍ متضاربة ،
لا يلبس أحداً…
ولا يرضي أحداً .
المفارقة الأشدّ قسوة ،
أن هذه الذهنية لا تعترف بنفسها ،
بل تتقن اتهام الآخرين بها .
كلّ واحد يشكو من الاستبداد ،
لكنّه—لو امتلك المساحة—
قد يمارسه بحماسٍ لا يقلّ عمّن سبقه .
وهكذا ،
ننتقل من ضحية إلى نسخة جديدة من المشكلة ،
دون أن نشعر .
ليست القضية من يحكمه ،
بل كيف يفكّر من يحكم ،
وكيف يفكّر من ينتظر دوره في الحكم .
لأن المأساة الحقيقية ،
ليست في سلطةٍ استبدّت ،
بل في خيالٍ جماعي
يرى السلطة حقاً طبيعياً لمن يجلس ،
لا مسؤوليةً ثقيلة لمن يفهم .
في النهاية ،
لسنا أنبياء لنحمل خلاصاً ،
ولا نملك عصاً سحرية لتغيير هذا الواقع .
نحن فقط نحاول أن نقول شيئاً بسيطاً :
إن هذا المرض—مرض تضخّم الذات حين تلامس السلطة—
لا يُعالج بتبديل الوجوه ،
ولا يُهزم بالشعارات .
هو أعمق من ذلك…
في طريقة نظرنا لأنفسنا ،
وفي تلك المسافة التي نرفض الاعتراف بها
بين ما نحن عليه… وما نظن أننا نستحقه .
ربما لن يتغيّر شيء غداً ،
وربما سنبقى ندور في الحلقة ذاتها ،
نستنكر ما نمارسه ،
ونرفض ما نعيد إنتاجه .
لكن،
إن لم نجرؤ على رؤية هذا الخلل كما هو ،
فلن يكون لأي تغيير معنى…
حتى لو تبدّلت كل الأسماء .
لهذا كُتب هذا الكلام ،
لا لإدانة أحد بعينه ،
بل لوضع مرآة أمام الجميع .
ومن شاء…
فلينظر .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *