كوردستان الوطن الذي يتآكل ابنائه…
ليس أثقل على الروح من أن يكون الإنسان ضحيةً لقدرٍ لم يختره وأن يجد نفسه موزعاً بين حدودٍ رُسمت بدمٍ بارد لا بروح التاريخ. هكذا يبدو المشهد الكوردي اليوم، شعبٌ يتنفس من رئةٍ ممزقة ويتقاسم وجعه بين خرائط لا تعترف بآلامه ولا تُصغي لنداءاته المتكررة.
منذ عقود بل منذ قرون، لم يكن الكوردي فقط ضحية الأنظمة التي تعاقبت عليه بل صار بمرور الزمن ضحية نفسه أيضاً. حين تتشابه الأخطاء وتختلف الرايات يصبح السؤال أكثر قسوة “هل المشكلة في السياسة التي تُمارَس عليه أم في تلك التي تُمارَس باسمه؟”
في كل زاوية من زوايا كوردستان حكاية تشبه الأخرى. ظلمٌ يأتي من الخارج وانقسامٌ ينمو في الداخل. تتبدل الوجوه لكن المشهد يبقى كما هو قيادات تتنازع وجماهير تدفع الثمن. كل طرفٍ يرى نفسه الحارس الأخير للحقيقة وكل حزبٍ يعتقد أن خلاص الشعب يمر عبر بوابته وحده. وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة كما تضيع دمعة في عاصفة.
السياسة في جوهرها خُلقت لتنظيم الاختلاف لا لتكريسه. لكنها في التجربة الكوردية كثيراً ما تحولت إلى ساحة تصفية حسابات وإلى وسيلة لتثبيت النفوذ لا لتحقيق العدالة. هنا لا يُهزم الخصم فقط بل يُهزم الأمل معه. وحين ينتصر طرف، لا يشعر الشعب بالنصر بل يتهيأ لهزيمةٍ جديدة لأن المنتصر نفسه قد يصبح خصماً في جولةٍ أخرى.
المأساة ليست في وجود الاختلاف بل في عجز الجميع عن إدارته. ليست في تعدد الأحزاب بل في تحوّلها إلى جزرٍ مغلقة، لكلٍ منها روايته الخاصة وعدوه الخاص وحتى شعبه الخاص أحياناً. وكأن الكوردي لم يعد شعباً واحداً بل شعوباً صغيرة تتناحر تحت رايةٍ واحدة.
الأخطر من ذلك أن ميزان الخطأ لا يُقاس بحجمه، بل بحجمه في السلطة. فكلما كبر النفوذ كبرت معه الأخطاء واتسعت دائرة تأثيرها. من يملك القرار لا يملك فقط فرصة الإنجاز، بل أيضاً قدرة أكبر على الإضرار. ومع ذلك نادراً ما يُحاسَب لأن الجماهير تنشغل في تبادل الاتهامات بدلًا من مواجهة الحقيقة.
وفي خضم هذا الصخب يقف الكوردي البسيط… صامتاً. ليس لأنه لا يفهم بل لأنه تعب من الفهم. يرى كيف تُستنزف قضيته بين الشعارات وكيف تتحول آماله إلى أوراق تفاوض وكيف يُختزل وجوده في صراعٍ لا ناقة له فيه ولا جمل. هو الذي حلم بوطنٍ يحتضنه فإذا به يجد نفسه عالقا بين وطنٍ مؤجل وواقعٍ مفروض.
ربما لم تُخلق السياسة للكورد، لكن المؤلم أن ممارستها بينهم كثيراً ما كانت ضد بعضهم. وربما لم يُحرم الكورد من القدرة على بناء مشروعهم لكنهم كثيراً ما عرقلوا أنفسهم بأيديهم، حين قدّموا المصالح الضيقة على الحلم الكبير.
وفي النهاية يبقى السؤال معلقاً في سماءٍ مثقلة بالخيبات:-
كم مرة يجب أن يُعاد الخطأ حتى يُدرك الجميع أن الخاسر الحقيقي ليس هذا الحزب أو ذاك بل شعبٌ بأكمله؟
إنها تراجيديا لا تُكتب بالحبر بل تُكتب بالأعمار التي تضيع وبالفرص التي تُهدر وبالذاكرة التي تزداد ثقلًا عاماً بعد عام. ومع ذلك لا يزال هناك خيطٌ رفيع من الأمل… أن يدرك الكورد يوماً أن قوتهم ليست في عدد أصواتهم بل في قدرتهم على أن يسمع بعضهم بعضاً.

