الإنسان أولاً … العدالة لا تُجزّأ – محمد ديب أحمد

 

ليس ما يُكشف اليوم جديداً بالكامل ، بل هو جزء مما كان معروفاً ومتداولاً ، جرى تجاهله أو تأجيل مواجهته .
 الفرق الوحيد أن بعض الوقائع لم يعد ممكناً إنكارها ، لا لأن الحقيقة تغيّرت ، بل لأن وضوحها أصبح صادماً إلى درجة لا تُحتمل .
القبض على الضابط السابق أمجد يوسف ليس حدثاً عادياً . ما ظهر من حيّ التضامن في دمشق جريمة موثقة بالكامل . لا تحتاج إلى تحليل أو روايات متقابلة .
 الفعل واضح ، وما ينقص هو المحاسبة الشاملة ، لا التعامل معه كملف معزول .
لكن العدالة لا تُختبر في حالة واحدة .
في حلب ، ظهرت تسجيلات تُظهر إلقاء جثث من مبانٍ مرتفعة بعد قتل أصحابها . في الرقة وريفها ، وُثّقت عمليات حرق لأشخاص وهم أحياء داخل مواقعهم . في السويداء ، سُجلت اعتداءات على مدنيين عُزّل ، بينهم من أُجبر على القفز من طوابق مرتفعة تحت إطلاق النار . وفي الساحل السوري ، قُتل مدنيون بسبب هوياتهم ، في وقائع لم تكن خفية ولا مجهولة .
هذه أفعال موثقة ، شاهدها الناس وتناقلوها ، ومع ذلك لم تتحول كلها إلى قضايا مفتوحة بالجدية نفسها .
 لم تُعامل جميعها كملفات تستدعي المساءلة العاجلة . هنا تظهر المشكلة بوضوح .
العدالة التي تتحرك في ملف وتتوقف عند آخر ليست عدالة ولنقل عدالة تتكئ على عكازة وفيها سقمٌ وعجز .
عندما يُحاسَب شخص في مكان ، ويُترك آخر في مكان مختلف رغم وضوح الجريمة ، فإن ما يجري ليس تطبيق قانون ، بل انتقاء .
لا معنى لأي خطاب قانوني إذا كان تطبيقه مرتبطاً بالظرف أو بالمكان أو بحجم الاهتمام الإعلامي .
الجريمة تبقى كما هي ، لا تتغير حقيقتها بتغيّر الجغرافيا ، ولا تتبدل قيمتها الإنسانية بتبدل السياق .
الضحايا ليسوا حالات عابرة ، ولا أرقاماً قابلة للنسيان .
هم بشر قُتلوا في وقائع واضحة ، وأبسط حقوقهم أن يُحاسَب كل من ارتكب فعلاً مثبتاً ، دون استثناء .
المسألة ليست في اسم شخص واحد ، بل في مبدأ كامل :
إما عدالة تشمل الجميع ،
 أو لا عدالة وأخشى أن أكون قاسياً بمرادفاتي .
حين تتأخر المحاسبة ،
لا يختفي الفعل ، بل يتراكم أثره .
وحين يُترك جزء من الحقيقة خارج المساءلة ، تصبح العدالة نفسها موضع شك .
 لذلك ، لا يكفي فتح ملف واحد ، ولا يكفي الاعتراف بجريمة دون غيرها . الطريق الوحيد الواضح هو أن تُعامل كل الوقائع بالمعيار ذاته وتحت سقف واحد وهو سقف القانون والمساواة ، أن يُحاسَب كل من ثبت تورطه ، دون تبرير أو استثناء .
ما عدا ذلك ، لن يكون حلاً ، بل امتداداً للمشكلة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *