الجنرالات والرئيس: خديعة “الثلاث دقائق” التي هزت عرش البيت الأبيض- ​بقلم: الناصر خشيني

 

​في تاريخ الصراعات الكبرى، كانت الجيوش تخوض معاركها ضد أعداء الخارج، لكن في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شهد العالم سابقة هي الأولى من نوعها؛ حيث خاض الجيش الأمريكي “حرباً نفسية” من طراز رفيع، لم يكن هدفها عدواً أجنبياً، بل كان هدفها القائد الأعلى للقوات المسلحة نفسه.

​صناعة الوهم: سينما “البنتاغون” اليومية

​تبدأ الحكاية من غرف العمليات المظلمة في البنتاغون، حيث أدرك قادة الجيش والاستخبارات مبكراً مفاتيح شخصية ترامب؛ فهو رجل يفر من التقارير الاستخباراتية الورقية المملة، ويعشق الإثارة البصرية وصورة “البطل” المنتصر. ومن هنا ولدت فكرة “التقرير المصور”.

​يومياً، كان يُقدم لترامب مقطع فيديو لا يتجاوز ثلاث دقائق، مصمم بعناية فائقة. مشاهد لانفجارات مدوية، ومنشآت إيرانية تتهاوى، وأهداف يتم سحقها بدقة متناهية. كانت هذه المشاهد في كثير من الأحيان “مفبركة” أو مجرد مناورات رقمية وتدريبات قديمة أُعيد مونتاجها لتظهر كأنها ضربات قاصمة للنظام في طهران. كانت “وجبة سينمائية” دسمة تنطلي على الرئيس، فيعتقد أن آلة الحرب الأمريكية قد أنجزت المهمة.

​تغريدات خارج الواقع: انتصارات على ورق

​بمجرد انتهاء العرض، كان ترامب يندفع بنشوته المعهودة إلى “تويتر” (منصة X حالياً) أو منصات التصريحات الصحفية، ليعلن للعالم بلهجة واثقة أن “إيران انتهت”، وأن استراتيجيته قد حققت معجزات. كان العالم يقف مذهولاً أمام تصريحات يصفها المحللون بـ”الغبية” أو “المغيبة”، لأنها ببساطة كانت صدى لخدعة بصرية وليست انعكاساً لواقع ميداني. لقد نجح الجيش في جعل الرئيس يعيش في “فقاعة رقمية” من الانتصارات الوهمية لمنعه من اتخاذ قرارات متهورة قد تجر البلاد إلى حرب شاملة لا يريدها الجنرالات.

​الزلزال الدولي: تآكل الهيبة وفوضى القرار

​لم تكن هذه الخديعة مجرد شأن داخلي، بل كانت لها تداعيات دولية كارثية. فبينما كان ترامب يغرد بالانتصار، كان الحلفاء في أوروبا ينظرون بريبة إلى تخبط القرار الأمريكي، والخصوم في موسكو وبكين يحللون بذكاء هذه الفجوة بين “رئيس واهم” ومؤسسة عسكرية تدير اللعبة من خلف ظهره.

​أما إيران، فقد استغلت هذه الفوضى ببراعة؛ إذ أدركت أن التهديدات الرئاسية ما هي إلا زوبعة في فنجان “البروباغندا” الداخلية، مما منحها مساحة أكبر للمناورة الإقليمية وتجاوز ضغوط البيت الأبيض، طالما أن الجنرالات هم من يمسكون بـ”كابح السرعة” الحقيقي.

​الرأي العام الأمريكي: انقسام بين “البطولة” و”الخديعة”

​داخلياً، أحدث هذا التضليل انقساماً حاداً في الرأي العام الأمريكي. فمن جهة، كان أنصار ترامب يهللون لقوة رئيسهم و”انتصاراته” التي يراها على الشاشة، ومن جهة أخرى، كان النخبة السياسية والمثقفون يحذرون من خطورة أن يُقاد البلد “بالريموت كنترول” من قبل جنرالات غير منتخبين. لقد كشفت هذه الحالة عن “دولة عميقة” لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر، بل أصبحت تصنع الواقع الافتراضي لرئيسها لضمان بقاء الاستقرار وفق رؤيتها الخاصة.

​الخاتمة: دروس في حكم “الصورة”

​إن قصة خديعة الجيش الأمريكي لترامب تظل درساً قاسياً في كيفية تحول “الصورة” إلى أداة حكم أقوى من السلاح نفسه. لقد نجح الجنرالات في حماية العالم من تهور محتمل، لكنهم في المقابل وجهوا طعنة لمفهوم “الشفافية وسيادة القرار السياسي. لقد غادر ترامب البيت الأبيض وهو يعتقد أنه دمر أعداءه، بينما الحقيقة أن أعداءه الحقيقيين كانوا هم من يخرجون له فيديوهات “الثلاث دقائق” كل صباح.

P

الناصر خشيني نابل تونس

 

الناصر خشيني نابل تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *