المركزية ليست حلاً … بل مشكلة يُعاد طرحها – محمد ديب أحمد 

في أماكن كثيرة من العالم ،
تُطرح المركزية كأحد الخيارات الممكنة .
أما هنا ،
فهي الخيار الوحيد الذي جُرّب…
وفشل بما يكفي ليصبح بديهياً .
ليست المشكلة في التصريحات التي تُعيد تقديمها ،
بل في سهولة طرح الفكرة نفسها…
وكأن أحداً لم يعش نتائجها بعد .
في أماكن أخرى ،
تُناقش المركزية كخيار بين خيارات ؛
أما هنا ،
فهي تجربة مكتملة الأركان…
بكل ما فيها من وعودٍ لم تتحقق ،
وأثمانٍ دُفعت بالكامل .
في سوريا ،
لم تكن المركزية مجرد شكلٍ من أشكال الإدارة ، بل كانت الشكل الوحيد المسموح به للحياة السياسية :
مركزٌ يحتكر القرار ،
وأطرافٌ يُطلب منها أن تتكيّف… أو تختفي .
لم يكن الخلل في وجود مركز ،
بل في غياب أي شيءٍ حوله :
لا توازن ،
لا رقابة ،
ولا حتى ضرورة للاستماع .
وعندما يُقال إن المركزية تضمن سرعة القرار ،
فهذا صحيح تماماً— لكن نصف الحقيقة فقط .
هي تضمن السرعة ،
لكنها لا تضمن الصواب .
وما بين الاثنين ،
تتراكم الأخطاء… بسرعة أيضاً.
لهذا ،
لم تكن المشكلة أن القرار يتأخر ،
بل أنه يصل في وقته…
ويكون خاطئاً .
في التجربة السورية ،
لم يكن المركز بعيداً جغرافياً فقط ،
بل كان بعيداً عن الواقع نفسه .
تُصاغ السياسات في مكان ،
وتُفرض في مكان آخر ،
ثم يُطلب من الجميع أن يتصرفوا كما لو أن الأمور تسير بشكل طبيعي .
/ في السياق الكردي ،
لا يبدو هذا النقاش جديداً ،
ولا حتى مثيراً للاهتمام .
فعلى مدى أكثر من عقد ،
لم ينتظر الكرد إعادة تأهيل المركزية ،
بل تجاوزوها عملياً ،
واتجهوا نحو أشكال من اللامركزية والإدارة الذاتية— ليس لأنها مثالية ،
بل لأنها ، ببساطة أقل كلفة من إعادة الخطأ نفسه .
وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها :
نموذج لا يزال قيد التطوير ،
يقابله نموذج استُهلك حتى نهايته ،
ومع ذلك…
يُطلب من الناس إعادة النظر في الثاني ،
ليس بوصفه ماضياً ،
بل كخيارٍ للمستقبل .
لا يتعلق الأمر هنا بعاطفةٍ ضد المركزية ،
ولا بحماسةٍ غير نقدية للامركزية ،
بل بشيء أكثر إزعاجاً :
الذاكرة ، ذاكرة تقول إن المشكلة لم تكن في التفاصيل ، ولا في سوء التطبيق فقط ،
بل في الفكرة حين تتحول إلى احتكار .
الدول التي نجحت في إدارة تنوعها ،
لم تفعل ذلك عبر تركيز السلطة ،
بل عبر تفكيكها ، وتوزيعها ،
ووضعها تحت رقابةٍ حقيقية .
لهذا لا تحتاج تلك الدول إلى إقناع مواطنيها بشرعيتها في كل مرة ،
ولا إلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف عند كل أزمة .
أما هنا ،
فلا يزال النقاش يدور في نقطةٍ يفترض أنها أصبحت خلف الجميع :
هل يمكن إصلاح ما لم يعمل أصلاً… إذا أعدنا تقديمه بطريقةٍ أفضل؟
ربما ؛
لكن التجربة تقول شيئاً آخر ،
تقول إن المشكلة لا تكمن في نقص البدائل ،
بل في الإصرار على تجاهلها .
وفي كل مرة تُطرح فيها المركزية كحل ،
لا يبدو الأمر كاجتهادٍ سياسي جديد ،
بل كاستعادةٍ انتقائية لذاكرة قديمة:
ذاكرة تحتفظ بالفكرة…
وتتجاهل نتائجها .
بالنسبة للسوريين ،
وللكرد بشكلٍ خاص ،
المسألة لم تعد قابلة لإعادة النقاش من بدايتها .
ليس لأن البدائل مكتملة ،
ولا لأنها خالية من العيوب ،
بل لأن العودة إلى ما سبق
لا تعني اختبار احتمال جديد ،
بل تعني شيئاً أكثر وضوحاً :
إعادة إنتاج الأزمة نفسها…
ولكن هذه المرة ،
بذاكرةٍ أضعف .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *