اقليم كردستان بين الداخل الهش والخارج المتحكم – رضوان فارس

لم يعد تأخر تشكيل حكومة إقليم كردستان مجرد أزمة سياسية، بل تحوّل إلى حالة مزمنة تكشف خللًا في بنية القرار السياسي الكوردي. ما نشهده اليوم ليس خلافًا تقنيًا على تشكيل حكومة، بل نتيجة طبيعية لنموذج سياسي هش، وقرار لم يعد يُصنع داخل الإقليم بقدر ما يتشكل تحت تأثير توازنات خارجية.
هذا الخلل لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل.
فالمشكلة لم تعد صراعًا بين أحزاب، بل أزمة في معنى الحزب نفسه. فما يُقدَّم على أنه تنظيم سياسي حديث، ليس في جوهره كذلك، بل بنية ضيقة تُدار بعقلية شخصية أو عائلية، ترتدي شكل الحزب وتستخدم اسمه، لكنها تفرغه من مضمونه الحقيقي. في هذا النموذج، الحزب لا يُنتج القرار، بل يُستخدم لتغطيته، والمؤسسات لا تحكم بل تُدار من خلفها، والكادر لا يصعد بل يُستبدل بمن هو أكثر طاعة وأقل سؤالًا.
وحين يضعف الداخل بهذا الشكل، لا يبقى القرار داخليًا.
بل يُفتح الباب أمام الخارج لملء الفراغ.
ومن هنا نفهم أن استمرار تعطيل تشكيل الحكومة ليس حدثًا منفصلًا، بل امتداد لدور ثلاثي واضح: تأثير تركيا وإيران من جهة، ووجود طرف داخلي يتكيف مع هذه التوازنات وينفّذها من جهة أخرى. وهكذا، لا يبقى القرار كورديًا خالصًا، بل يتحول إلى نتيجة لتداخل مصالح تُدار خارج حدود الإقليم بقدر ما تُدار داخله.
ولعل أخطر ما يكشف جذور هذا الواقع، هو ما جرى في تسعينيات القرن الماضي. حين قُدِّم الصراع الداخلي على أنه خلاف على واردات معبر إبراهيم الخليل، وكأن القضية تختزل في إيراد مالي محدود. لكن الحقيقة التي لا يعرفها الجميع، أن تلك الواردات لم تكن لتكفي حتى لتغطية نفقات الدوائر العليا وعوائل المسؤولين، فكيف يمكن لها أن تكون سببًا لحرب أنهكت مجتمعًا كاملًا؟
ما قُدِّم كسبب لم يكن سوى غطاء،
أما الواقع فكان صراعًا على النفوذ، ونتيجة مباشرة لتداخل إرادات خارجية وجدت في ضعف الداخل فرصة للتأثير.
وهنا لا تبقى القضية تحليلًا نظريًا، بل تتحول إلى تجربة حيّة تكشف كيف جرى تفكيك القوة التي كان يمكن أن تغيّر هذا المسار، ولماذا بقي القرار هشًا حتى اليوم.
المفارقة أن الطرف الذي صنع التحول الأكبر، أصبح اليوم خارج المعادلة. المنتفضون، الذين فجّروا انتفاضة 1991 في العراق وفرضوا واقعًا جديدًا، هم اليوم غائبون عن صناعة القرار. ما تحقق لم يكن منحة، بل نتيجة نضال، لكن هذا الإنجاز لم يتحول إلى قوة منظمة تحميه، بل تُرك ليدار ضمن دوائر ضيقة، حتى أصبح صانعوه خارج تأثيره.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
من كانوا هؤلاء المنتفضون؟
هل كانوا عدميين؟ مخربين؟ مثيري شغب؟
أم كانوا ثوارًا حقيقيين حملوا مشروعًا لم يُكتب له أن يكتمل؟
ولماذا لم يستمروا في نضالهم ليتحولوا إلى قوة منظمة تحمي ما أنجزوه؟
هذه أسئلة مشروعة، ومن موقعي كأحد البيشمركة في تلك المرحلة، أستطيع أن أجيب عليها بما عشته، لا بما رُوي لاحقًا.
لقد انتفضت جميع مدن كردستان في تلك المرحلة التاريخية، لكن في ئاکرێ كان المشهد مختلفًا؛ إذ لم تكن انتفاضة واحدة، بل انتفاضتان.
الانتفاضة الأولى جاءت مع باقي مدن كردستان، وخلالها تشكّلت في ئاکرێ لجان ثورية هدفت إلى حماية المنجزات، ومحاولة تأسيس إدارة ذاتية تفرض نفسها على الواقع، وتدير الشؤون اليومية للمدينة. لم يكن المنتفضون مجرد غضب ، بل كانوا يحملون وعيًا سياسيًا واضحًا، ويسعون إلى بناء نموذج حكم محلي.
لكن عمر هذه التجربة كان قصيرًا، إذ جاءت الهجرة المليونية، التي دفعت المجتمع الدولي لاحقًا إلى فرض خط 36 لحماية المدنيين من نظام صدام حسين.
وهنا ظهر التناقض:
فمن جهة، كانت ئاکرێ إداريًا تابعة لمحافظة نينوى، أي خارج إطار الحكم الذاتي، ومن جهة أخرى، أصبحت ضمن منطقة الحماية الدولية (خط 36).
هذا الموقع یجعلها حلقة وصل حساسة بين بادينان وسوران ویربطهما بالبعض هو ما جعل القوى الإقليمية لا ترغب في أن تخضع لسيطرة البيشمركة، لأن ذلك كان سيسمح بربط الجغرافيا الكردية وإقامة إدارة موحدة.
لكن قيادة الانتفاضة في ئاکرێ لم تكن عفوية أو عدَمية، بل كانت تدرك هذه المعادلات. لذلك جاءت الانتفاضة الثانية، عبر مسيرات حاشدة، كخطوة واعية لفرض واقع جديد.
على رغم الرفض من بعض الأطراف داخل الجبهة الكردستانية لدخول البيشمركة إلى المدينة، بحجة أن القيادة الكردية في مفاوضات مع بغداد، وأن مسألة ئاکرێ ستُحل سياسيًا لاحقًا.
لكن الواقع كان مختلفًا.
فقيادة الانتفاضة في ئاکرێ كانت تدرك أن المدينة تقع ضمن خط الحماية، وأن بقاء القوات العراقية فيها لم يكن ممكنًا، وهو ما حدث بالفعل حين اجبرهم بالانسحاب إلى خارج الخط.
بهذا المعنى، فشلت محاولة إبقاء ئاکرێ خارج الإدارة الكردية، وهي محاولة كان هدفها منع تشكّل نواة إدارة موحدة.
لكن الأمر لم ينتهِ هنا.
فحين فشلت هذه المحاولات، بدأت مرحلة أخطر:
مرحلةُ تنفيذ الجريمة الكبرى، وهي الاقتتال الداخلي، إذ أصبح هذا القتال سببًا في الضغط على قوى الانتفاضة نفسها.
تعرضت قيادات الانتفاضة لضغوط متعددة:
إما الانضمام إلى الأحزاب القائمة،
أو مغادرة المدينة،
أو مواجهة مصير التصفية في ظروف غامضة.
وهكذا تفرّق المنتفضون:
منهم من التحق بالأحزاب،
ومنهم من هاجر،
ومنهم من تمّت تصفيته بطرق مختلفة.
وهنا يكتمل المعنى:
تفكيك هذه القوة لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان شرطًا لمنع تشكّل قرار كوردي مستقل.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد القرار حرًا بالكامل،
بل أصبح عرضة للتأثير،
ثم التوجيه،
ثم التعطيل.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم ليس جديدًا.
تعطيل تشكيل الحكومة هو استمرار لنفس النمط، لكن بأدوات سياسية بدل عسكرية.
في النهاية، لم تعد القضية مجرد تشكيل حكومة، بل صراع على من يملك القرار.
وما لم يُفهم أن هذا التعطيل له جذور، وله أطراف داخلية تخدم مصالح خارجية، فإن الأزمة ستبقى تتكرر.
لأن الحكومة لا تتأخر فقط بسبب خلافات داخلية،
بل لأنها، ببساطة، لا يُراد لها أن تُشكَّل بهذا الشكل المستقل.
رضوان فارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *