د. محمود عباس: ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي – سيرة عمرٍ لم يغادر المستقبل

سيرة عمرٍ لم يغادر المستقبل

أحيانًا أتوقف أمام شاشة الكمبيوتر، وأنا أقترب من نهاية عامي الثالث والسبعين، بعد عمرٍ عبر جغرافياتٍ كثيرة وأزمنةً متباعدة، وأتأمل ما يجري أمامي كمن يرى معجزةً صارت جزءًا من يومه العادي. أسأل الذكاء الاصطناعي فيجيبني، أطلب منه مرجعًا فيفتح لي أبواب البحث، أضع أمامه فقرة من كتاب فيعيد ترتيبها، أسأله عن قطعة مكسورة في البيت، أو عن عطل في السيارة، أو عن طريقة طبخ، أو عن دواء وفيتامين، فيقترح ويفسّر ويحذّر.

ثم أعود إلى نفسي بدهشة وأقول: يا للعجب، أنا القادم من زمنٍ كان وصول خبرٍ من قامشلو، بل حتى من قريةٍ مجاورة لقريتي نصران، حدثًا يوقظ الفضول في الناس. أنا الذي لم يدخل المذياع قريته إلا بعد أن بلغ الخامسة، أقف اليوم أمام عقلٍ صناعي أحاوره كما لو كان جليسًا يوميًا. بين صندوق الراديو الأول وهذا الذكاء الخوارزمي مسافة عمرٍ كامل، لكنها في داخلي تبدو كقفزةٍ واحدة من صمت القرية إلى ضجيج المستقبل.

كان أول جهاز راديو دخل قريتنا (نصران) أشبه بصندوقٍ عجيب. جاء به والدي، وكان بحجم صندوق كبير، يلتف حوله أبناء القرية بدهشة، كأن الأصوات القادمة من بعيد ليست أصوات بشر، بل رسائل من عالمٍ آخر. لم تكن التكنولوجيا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي شيئًا مألوفًا، بل حدثًا. كان الصوت وحده معجزة، وكانت القدرة على سماع مدينة بعيدة أو إذاعة لا نراها ضربًا من السحر. ثم مرّت السنوات، ولم أرَ التلفاز إلا عندما كنت في الصف الحادي عشر، في مدينة تل كوجر، وكان البث عراقيًا. يومها كان التلفاز نافذة على عالم لا نعرفه، وكنت أظن أن الإنسان بلغ ذروة ما يمكن أن يبلغه من اختراع.

لكن الزمن كان يضحك بهدوء. جاء الكمبيوتر، وكنت قد استقريت في أمريكا، كنت حينها في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينيات من العمر، قبل أن يعرف أغلب الناس الإنترنت، وكنت من الذين اقتربوا منه مبكرًا، لا كآلة جامدة، بل كبوابة جديدة للتعامل مع المعرفة. ثم جاء الإنترنت وويندوز 3.1 عام 1992 قبل أن تظهر ويندوز 5 عام 1995 وتصبح النوافذ الرقمية مألوفة كما هي اليوم، وقبل أن يتحول العالم إلى شاشة صغيرة في اليد، كنت أنتظر قرابة 10 إلى 15 دقيقة أحيانا لأحصل على إيميل ما. استخدمت الكمبيوتر في زمن كان التعامل معه يحتاج إلى صبر، وإلى فضول، وإلى شيء من المغامرة. لم تكن الأزرار تشرح نفسها كما تفعل اليوم، ولم تكن البرامج تفتح أبوابها بسلاسة، بل كان على المستخدم أن يتعلم ويخطئ ويعيد المحاولة.

مرت السنوات، وبعد ثلاثة عقود في أمريكا، جاء الذكاء الاصطناعي، ولم أنتظره حتى يشيخ في أيدي الآخرين. دخلت إليه من بدايات ظهوره، كما دخلت إلى الكمبيوتر قبل أن ينتشر، وكما استخدمت الإنترنت قبل أن يصبح خبزًا يوميًا للعالم. ربما لأنني لم أتعامل يومًا مع التقنية بوصفها لعبة شبابية، بل بوصفها وسيلة لتوسيع العقل، وتوفير الجهد، وفتح الأبواب التي كانت مغلقة أمام اللغة، والوقت، والمسافة، والمراجع، وحتى أمام القدرة الجسدية أحيانًا.

وكثيرًا ما أتذكر، بشيءٍ من الحنين والدهشة، تلك الساعات والأيام والشهور التي قضيتها في مكتبات موسكو، من مكتبة لينين إلى المكتبة الدولية ومكتبة جامعتي، جامعة موسكو الحكومية، أجمع المصادر والكتب والأرقام لكتابة أطروحتي للدكتوراه. يومها كانت المعلومة تُطلب كما تُطلب الغنيمة: بوقتٍ طويل وصبرٍ شاق. واليوم، أمام الذكاء الاصطناعي، أجد أن أطروحةً كتلك ربما كان يمكن أن تُكتب بصورة أوسع وأدق خلال أقل من شهر، لا لأن الجهد فقد قيمته، بل لأن زمن الوصول إلى المعرفة تبدّل جذريًا.

بدأ استخدامي للذكاء الاصطناعي من البحث في المراجع، ثم اتسع إلى مراجعة كتاباتي وتصحيحها وتنقيحها. لم أستخدمه لكي يكتب بدلًا عني، بل لكي يساعدني على ترتيب ما أكتبه، وصقل عبارتي، وتقوية النص حين يتعب التركيز، أو تتشابك الجمل، أو يخذلني الوقت. كنت وما زلت أرى أن الكاتب الذي يمتلك فكرته لا يخاف من الأداة، بل يحسن استخدامها. فالخطر ليس في الذكاء الاصطناعي، بل في الكاتب الذي لا يملك فكرة ثم يريد من الآلة أن تصنع له عقلًا.

ومع الوقت لم يبقَ الذكاء الاصطناعي رفيق الكتابة وحدها. صار يدخل معي إلى تفاصيل البيت. أرسل له صورة قطعة مكسورة، فيشرح لي اسمها بالإنكليزية، وكيف أسأل عنها في المتجر. أعرض عليه مشكلة في الحنفية، أو الريموت كنترول، أو ضوء السيارة، أو جزء من شاحنتي القديمة، فيقترح الاحتمالات، ويقول لي ما أبحث عنه، ويبين الأنواع المتوفرة وأين وأسعارها في كل مكان، وما الذي ينبغي أن أحذر منه. صار كأنه جارٌ يعرف أسماء الأدوات، وميكانيكيٌ هادئ لا يغضب من كثرة الأسئلة، ومساعدٌ لغوي يترجم لي ما أريد قوله حين أقف أمام موظف متجر أو فني صيانة.

دخل كذلك إلى المطبخ. من كان يظن أن رجلًا عاش زمن المذياع النادر، ثم التلفاز العجيب، سيجلس في الثالثة والسبعين ليسأل الذكاء الاصطناعي عن طريقة طبخ أكلة، أو عن بديل لمادة ناقصة، أو عن كمية الملح، أو عن أفضل طريقة لتسخين الطعام دون أن يفقد طعمه؟ التكنولوجيا لم تعد في المختبرات وحدها؛ صارت في القدر، وفي الثلاجة، وفي الحديقة، وفي السيارة، وفي الدواء، وفي السؤال اليومي الصغير الذي كان يحتاج سابقًا إلى صديق أو خبير أو بحث طويل.

حتى في المسائل الصحية، أصبحت أستخدمه بحذر. أسأله عن الفيتامينات، عن الأدوية، عن التداخلات المحتملة، عن معنى عرضٍ معين، عن أسباب النعاس، عن النوم، عن القلق، لا لكي يحل محل الطبيب، بل لكي أفهم قبل أن أذهب إلى الطبيب، ولكي أعرف كيف أطرح السؤال الصحيح. وهذه من أعظم فوائد الذكاء الاصطناعي: أنه لا يمنحك المعرفة النهائية دائمًا، لكنه يساعدك على ألا تكون جاهلًا أمام المشكلة. يجعلك تدخل العيادة أو المتجر أو ورشة التصليح وأنت أقل ارتباكًا وأكثر قدرة على الحوار.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: أنا على أبواب تجاوز الثالثة والسبعين، من قرية نصران في غربي كوردستان إلى هيوستن في أمريكا، مرت عقود طويلة وذكريات جميلة ومريرة، ومع ذلك أشعر أنني لم أخرج من سباق العصر. قد يتعب الجسد، وقد يثقل العمر، وقد تصبح الذاكرة مزدحمة بما لا يحتمل، لكن العقل يستطيع أن يجد في هذه الأدوات امتدادًا جديدًا. لم يعد التقدم حكرًا على الشباب. من يملك الفضول يستطيع أن يظل شابًا بطريقة ما. ومن يرفض أن يتعلم يشيخ ولو كان في العشرين.

لقد عاصرت مراحل تكاد تبدو اليوم كأنها تنتمي إلى عصور مختلفة: من قرية لم يكن فيها المذياع مألوفًا، إلى راديو بحجم صندوق؛ من تلفاز عراقي البث شاهدته في تل كوجر وأنا في الصف الحادي عشر، إلى كمبيوتر بلا إنترنت؛ من الإنترنت البطيء الغامض، إلى عالم أصبحت فيه الخريطة والكتاب والصورة والصوت والترجمة والمكتبة والطبيب الأولي والميكانيكي والمطبخ كلها في جهاز واحد؛ ثم إلى الذكاء الاصطناعي الذي لا يكتفي بأن يعرض المعلومات، بل يحاورك، ويقترح، ويصحح، ويقارن، ويعيد بناء الفكرة.

لهذا لا أرى الذكاء الاصطناعي مجرد اختراع جديد. أراه مرحلة في علاقة الإنسان بنفسه. إنه مرآة تكشف لنا مقدار ما نعرف، ومقدار ما لا نعرف، ومقدار ما نستطيع أن نتعلم حتى في العمر المتأخر. قد يخيفنا، نعم، لأنه قوي وسريع ويتطور بما يفوق توقعاتنا. لكنه في الوقت ذاته يفتح أمام الإنسان أبوابًا لم تكن ممكنة. الخوف منه مفهوم، لكن الهروب منه خطأ. فالذين يرفضون أدوات العصر لا يوقفون العصر، بل يخرجون أنفسهم منه.

أحيانًا أتخيل، إن عشت سنوات أخرى، أن يدخل إلى بيتي روبوت صغير، يطبخ لي، وينظف، ويحمل الدواء في موعده، ويذكرني بما نسيت، وربما يجادلني في مقال سياسي أو يصحح لي فقرة من كتاب. قد أضحك من الفكرة الآن، لكنها ليست أبعد غرابة من أن يسمع طفل في قرية صوت العالم من صندوق راديو لأول مرة. ما بدا سحرًا في الأمس صار عادة اليوم، وما يبدو خيالًا اليوم قد يصبح أثاث البيت غدًا.

رحلتي مع التكنولوجيا ليست حكاية أجهزة فقط، بل حكاية إنسان انتقل من شبه العدم التقني، من الصيد بالمقلاع، إلى عصر الخوارزميات، والتنقل بسيارة بلا سائق، كم من المرات وأنا أمام الإنترنيت أو في تلك السيارة الألية أتذكر أيام نصران وضفاف نهر سوبلاخ عندما كانت ظهور سيارة عابرة حدثا مهما. وأنا لا أقول هذا تفاخرًا، بل دهشةً وامتنانًا وقلقًا في آن واحد. امتنانًا لأنني شهدت هذا التحول الهائل، وقلقًا لأن العالم يتغير بسرعة لا ترحم من يتأخر، ودهشةً لأنني، رغم العمر، ما زلت أتعلم.

ربما هذا هو الدرس الأهم: لا يشيخ الإنسان حين يتقدم به العمر، بل حين يتوقف عن الدهشة. وأنا ما زلت أندهش. وما دمت أندهش، وأسأل، وأتعلم، وأحاور هذا العقل الجديد، فأنا، رغم أنني عشت الحياة بعرضها وطولها، لا أشعر أنني غادرت المستقبل بعد. ولعلّني هنا أخالف اللورد بايرن، الذي قال لأطباءه إنه عاش الحياة بعرضها لا بطولها؛ فقد منحتني السنوات طولها، ومنحتني التجارب عرضها، وما زال في داخلي فضولٌ يدفعني إلى ملاحقة القادم المدهش، لا الاكتفاء بما مضى.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/5/2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *