في كل مرة يخرج فيها مسؤول سوري بتصريح يتهم فيه جهة ما ، أو يعيد توصيف واقع قائم بلغة تعود لعقود مضت ، يميل البعض إلى التعامل معه كـ“خطأ إعلامي” أو “تقدير غير دقيق”.
لكن المشكلة أن تكرار هذا النمط ، بنفس اللغة ، وبنفس الذهنية ، وفي توقيتات متشابهة ، لم يعد يسمح برفاهية تفسيره كخطأ .
نحن أمام سلوك… لا زلّة .
حين يُتهم طرفٌ ما بتفجير آبار النفط ، وتُوجَّه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية ، في وقت تشير فيه الوقائع الميدانية والتقارير المتداولة إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية النفطية كانت نتيجة عمليات قصف معروفة المصدر ، وتركية بالتحديد فإن المسألة لا تبدو كتناقض عابر في التقدير ، بقدر ما تعكس ازدواجية مقصودة في الخطاب .
وتزداد هذه الازدواجية وضوحاً حين نضعها في سياقها القريب :
وفود رسمية زارت هذه الحقول نفسها قبل أسابيع ، وأعربت عن تقديرها للجهات التي حافظت عليها خلال سنوات الحرب .
فأي الروايتين يُراد لها أن تستقر ؟
رواية الشكر ، أم رواية الاتهام ؟
هنا تحديداً ، لا يعود السؤال : لماذا هذا التصريح ؟
بل : لماذا هذا الأسلوب المستمر في إدارة كل شيء ؟
لأن ما يحدث في ملف النفط ، هو ذاته ما يتكرر في ملفات الإدارة ، والتعيينات ، والقرارات العسكرية .
حين يتم الدفع بشخصيات مثيرة للجدل إلى مواقع حساسة ، أو منح رتب عليا لمن لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة ، فإن ذلك يصعب اعتباره مجرد “سوء تقدير”.
إنه نمط حكم .
نمط يقوم على معادلة واضحة ، وإن لم تُعلن :
الولاء أولاً… ثم تأتي الكفاءة لاحقاً ، إن حضرت .
في هذا النموذج ، لا يُكافأ الأكفأ ، بل الأكثر طاعة .
ولا يُختار المسؤول لأنه قادر على الإدارة ، بل لأنه قابل للتوجيه .
ومن الطبيعي ، في ظل هذه المعادلة ، أن يظهر خطاب متناقض ؛
لأن من يُنتجه لا يُطلب منه أن يكون منطقياً بقدر ما يُطلب منه أن يكون منسجماً مع اللحظة السياسية .
هذه الذهنية ليست جديدة ،
بل هي امتداد لثقافة سياسية تشكّلت على مدار عقود ، حيث لم تُعامل الدولة المجتمع كشريك ، بقدر ما تعاملت معه كمجال للضبط والسيطرة .
غير أن ما يجعلها أكثر إشكالية اليوم ، هو استمرارها رغم كل التحولات العميقة التي شهدتها البلاد .
بعد كل هذه السنوات من الحرب ،
وبعد كل هذا التفكك ،
ما زالت الأدوات نفسها تُستخدم ،
واللغة نفسها تُعاد ،
وكأن شيئاً لم يتغير .
في هذا السياق ، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً في شمال وشرق سوريا ، وخصوصاً في روج آفا :
كيف يمكن التعامل مع هذا النمط ؟
الرهان على تغيير هذه العقلية من الداخل يبدو ، حتى الآن بطيئاً إلى حد الإحباط .
وفي المقابل ، فإن الانجرار إلى مستوى الخطاب ذاته ، وتحويل كل تصريح إلى معركة إعلامية ، لا يقدّم بديلاً حقيقياً .
ما تحتاجه الإدارة الذاتية ، ليس مجرد ردود ،
بل امتلاك “نَفَسٍ طويل” من نوع مختلف .
نَفَس يقوم على تثبيت الوقائع على الأرض ، لا مطاردة التصريحات .
وعلى بناء نموذج إداري قابل للحياة ، لا الاكتفاء بالدفاع عنه .
وعلى مخاطبة المجتمع السوري بلغة مختلفة :
لغة المصالح ، لا لغة التخوين .
لأن الحقيقة التي يتم تجاهلها كثيراً ،
هي أن معظم السوريين لم يعودوا معنيين بمن يتهم من ،
بقدر ما هم معنيون بمن يستطيع أن يؤمّن لهم الحد الأدنى من الاستقرار .
وهنا تكمن المفارقة :
الخطاب الرسمي ما زال يعيش في معارك الأمس ،
بينما يبحث الناس عن حلول اليوم .
أما في ما يتعلق بالنفط ،
فالقضية لم تعد فقط : “من يسيطر ؟”
بل : “من يدير بشكل أفضل ؟
ومن يحافظ ؟ ومن يوزّع بشكل عادل ؟”
وهي أسئلة لا تُجاب بالتصريحات ،
بل بالأداء .
وفي النهاية :
قد لا يكون الهدف من هذه التصريحات إقناع أحد بقدر ما هو إبقاء المشهد في حالة ضبابية دائمة ، حيث تختلط الوقائع بالاتهامات ، ويصعب على أي رواية أن تستقر .
لكن ما يصعب إخفاؤه ،
هو الفرق بين من يُدير الواقع ،
ومن يُدير الكلام عنه .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

