الديمقراطية في العراق: الفشل المُقدّس – جورج منصور

 

 

في عراقٍ خرج مترنحاً من ركام الاستبداد، وُلدت الديمقراطية كأنها وعدٌ سماوي، أو كائنٌ أسطوريّ طال انتظاره. لم تأتِ بوصفها نظاماً سياسياً فحسب، بل كـ”إلهٍ” جديد، عُلّقت عليه آمال الخلاص، وحُمّل أكثر مما يحتمل: العدالة، والحرية، والكرامة، والرفاه، بل وحتى إعادة صياغة الإنسان العراقي نفسه.

لم تُقدَّم الديمقراطية كنظامٍ قابلٍ للفحص والمراجعة، بل كخلاصٍ نهائي، كإلهٍ جديد يُفترض الإيمان به قبل اختباره. عُلّقت عليها آمال تفوق طاقتها: إنهاء إرث القمع، وبناء دولة حديثة، وإعادة صياغة مجتمعٍ أنهكته الانقسامات. غير أن ما تلا ذلك لم يكن تحقيقاً للوعد، بل انكشافاً تدريجياً لحدود هذا “الإله” وهشاشته.

منذ السنوات الأولى بعد 2003، بدا واضحاً أن البناء جرى بالعكس: انتخابات ودستور وبرلمان، قبل ترسيخ مؤسسات دولة قادرة على العمل باستقلالية. فالدستور أُقرّ عام 2005 في سياقٍ مضغوط سياسياً وأمنياً، وسط انقسامات حادة، ما جعله -رغم أهميته- نصاً قابلاً لتأويلات متضاربة استُخدمت لاحقاً في صراعات السلطة. والانتخابات، التي كان يُفترض أن تؤسس لشرعية متجددة، تحولت سريعاً إلى آلية لإعادة إنتاج القوى نفسها.

في انتخابات 2010 مثلًا، دخلت البلاد في أزمة سياسية طويلة رغم تقارب النتائج، وتأخر تشكيل الحكومة لأشهر، ما كشف أن صندوق الاقتراع وحده لا يحسم الصراع، بل يُنقل إلى كواليس التفاوض حيث تُحسم الموازين الفعلية. وفي دورات لاحقة، تكررت الظاهرة: نسب مشاركة متذبذبة، طعون، اتهامات بالتزوير، وصراعات على النتائج، ما أضعف الثقة العامة بالعملية برمّتها.

أما مبدأ “التعددية”، فقد تراجع لصالح نظام محاصصة طائفية وعرقية صار هو الإطار الفعلي للحكم. لم تعد المناصب تُشغل وفق الكفاءة، بل وفق الانتماء، في توزيعٍ غير معلن لكنه راسخ: هذه الوزارة لهذا المكوّن، وتلك لتوازنٍ آخر. وهكذا، تحولت مؤسسات الدولة إلى جزرٍ حزبية، لكل منها شبكاتها وولاءاتها، ما جعل القرار العام نتاج مساومات، لا سياسة عامة متماسكة.

هذا التشظي لم يبقَ في مستوى النخبة، بل انعكس مباشرة على حياة الناس. فملف الكهرباء- على سبيل المثال- تحول إلى رمزٍ صارخ للفشل: مليارات الدولارات أُنفقت على مدى سنوات، دون حلٍ مستدام، بينما بقيت ساعات التجهيز متقطعة في معظم المحافظات. وكذلك الحال في قطاعات الماء والصحة والبنى التحتية، حيث تتكرر الأزمات رغم وفرة الموارد.

الفساد، في هذا السياق، لم يكن استثناءً بل بنيةً مرافقة. تقارير رسمية ودولية تحدثت مراراً عن هدرٍ مالي ضخم، وصفقات مشبوهة، وتضخمٍ غير مبرر في عقود الدولة. ومع غياب المساءلة الفعلية، تحوّل الفساد إلى منظومة متكاملة، تتكيف مع الشكل الديمقراطي، وتعمل عبره لا ضده.

وجاءت لحظة الانكشاف الأكبر في احتجاجات 2019، حين خرج آلاف الشباب في بغداد ومدن الجنوب، لا ضد حكومة بعينها فقط، بل ضد المنظومة السياسية كلها. الشعارات لم تكن مطلبية فحسب، بل وجودية: “نريد وطن”. كان ذلك التعبير المكثف عن انهيار الثقة بين المواطن والنظام. ورغم الوعود بالإصلاح، سقط ضحايا كثر، وتراجعت الحركة دون تحقيق تغيير جذري، ما عمّق الشعور بأن النظام قادر على امتصاص الصدمات دون أن يتغير.

وفي عام 2014، شكّل سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم (داعش) المتطرف صدمة أخرى، كشفت عمق التصدع داخل مؤسسات الدولة. لم يكن الحدث أمنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، إذ أظهر كيف يمكن للضعف المؤسسي والانقسام أن يتحولا إلى تهديد وجودي للدولة نفسها، رغم وجود بنية “ديمقراطية” شكلية.

وسط كل ذلك، بقي المواطن في موقع المتلقي. صوته الانتخابي لم يترجم إلى سياسات فعالة، واحتجاجه لم يؤدِّ إلى إصلاحات جذرية، وخدماته الأساسية ظلت رهينة التجاذبات. ومع مرور الوقت، لم تعد الديمقراطية بالنسبة لكثيرين أداة للتغيير، بل إطاراً يعيد إنتاج الأزمة.

الأخطر من الفشل ذاته، هو طريقة التعامل معه. بدل المراجعة، جرى تحصين التجربة بخطابٍ يساوي بين نقدها والدعوة إلى الاستبداد. وهكذا، أُغلق باب النقاش الجدي، وتحوّل القصور إلى أمرٍ واقع. لم تعد الديمقراطية موضوعاً للتطوير، بل شعاراً يُستخدم للدفاع عن وضعٍ قائم.

ومع ذلك، فإن اختزال كل ما حدث في “فشل الديمقراطية” وحدها قد يكون تبسيطاً مخلاً. فالمشكلة الأعمق تكمن في غياب الشروط التي تجعلها قابلة للحياة: مؤسسات مستقلة، قضاء فاعل، ثقافة مواطنة، واقتصاد لا تُهيمن عليه شبكات النفوذ. بدون ذلك، تتحول الديمقراطية إلى شكلٍ بلا مضمون.

ربما تكمن البداية في الاعتراف بهذه الحقيقة: ما جرى لم يكن تطبيقاً ناضجاً للديمقراطية، بل تجربة هجينة، اختلط فيها الشكل الديمقراطي بمضمونٍ تقليدي قائم على الغلبة والتقاسم. والإصلاح لا يبدأ بترديد الشعارات، بل بإعادة بناء الأساس: دولة قانون، ومؤسسات، وثقة مفقودة بين الحاكم والمحكوم.

في العراق، لم تمت الديمقراطية، لكنها أيضاً لم تتحقق كما وُعد بها. وبين الفكرة كما ينبغي أن تكون، والواقع كما هو، مسافةٌ يدفع ثمنها مجتمعٌ بأكمله- مسافةٌ لا تُختصر بالانتخابات، ولا تُردم بالشعارات، بل بعملٍ طويل، وصريح، لا يخشى الاعتراف بالفشل من أجل تجاوزه.

لكن، وكما يحدث في الأساطير حين يُصنع الإله على عجل، دون جذورٍ في الأرض، بدأ هذا الكيان بالتشقق منذ لحظاته الأولى.

الإله الذي وُعد به العراقيون، لم يكن كليّ القدرة. لم يمنع الفساد، بل أتاح له أن يتكيّف ويزدهر داخل مؤسساتٍ شرعية. لم يحقق العدالة، بل أعاد توزيع الظلم بطرقٍ جديدة. ولم يوحّد البلاد، بل منح الانقسام غطاءً قانونياً.

في هذا المشهد، لم يفشل النظام وحده، بل فشل أيضًا التصوّر الرومانسي الذي أُحيط به. فالديمقراطية ليست عصًا سحرية، ولا إلهاً يهب الخلاص، بل هي ممارسة معقدة، تتطلب ثقافةً مدنية، ومؤسساتٍ قوية، ومجتمعًا يؤمن بالمواطنة قبل أي شيء آخر.

وفي العراق، ما زالت الحكاية مفتوحة… بين إلهٍ خذل أتباعه، وشعبٍ لم يتعلم بعد كيف يصنع خلاصه بيديه.

ما حدث في العراق، هو أن الشكل سبق المضمون، وأن الطقوس سبقت القيم. فكانت النتيجة نظاماً ديمقراطياً في الظاهر، لكنه هشّ في الجوهر.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *