سيكولوجية الانكسار: لماذا يصب العقل السني غضبه على كوردستان؟ – د.جوتيار تمر

 

 

في المشهد العراقي المعقد، تبرز مفارقة تثير الذهول والأسى في آن واحد؛ شارع يغلي بالمرارة يوجه سهام عدائه نحو إقليم كوردستان وعلمه بحدة تفوق أحيانا عداءه للقوى التي تهيمن على قراره الوطني؛ إنها ليست مجرد خصومة سياسية عابرة، بل ظاهرة سيكولوجية عميقة ناتجة عن تضارب الهويات وانكسار المشاريع الكبرى، حيث تحول “الإقليم” في المخيال السني من شريك في الوطن إلى “مرآة” تعكس عجز الذات وخساراتها المتلاحقة.

لقد تشكل هذا العداء عبر عقود من التربية السياسية التي لم تر في الكوردي شريكا، بل “مشكلة أمنية” تهدد وحدة الدولة المركزية التي كان السني يرى نفسه حارسها الأمين؛ ومع زلزال 2003، حدث الشرخ الوجودي؛ فحين وجد العرب السنة أنفسهم خارج أسوار السلطة وتحت ركام مدنهم، شاهدوا الصعود الكوردي المنظم كـ”استفزاز” واقعي؛ هنا ولدت “الغيرة السياسية” التي تحولت بمرور الوقت إلى عداء صريح؛ فنجاح الإقليم في بناء كيان أكثر استقرارا وازدهارا أصبح يقرأ سنيا كـسرقة للاستحقاق الوطني، أو كبناء أقيم على أنقاض دولتهم المفقودة.

أما المفارقة الصادمة في قبول النفوذ الإيراني أو الصمت أمام الفصائل مقابل الهجوم الشرس على الكورد، فتفسيرها الفلسفي يكمن في -إزاحة العداء-، فالمواجهة مع القوة الإيرانية وسطوتها تبدو كلفة انتحارية لجمهور مكسور الجناح، لذا يوجه الغضب نحو -الآخر القريب-(الكوردي)؛ إن الهجوم على أربيل أسهل نفسيا وأقل كلفة أمنيا من انتقاد طهران؛ إنه فعل تعويضي يحاول من خلاله العقل السني استعادة وهم السيطرة على عدو يدرك لغته ويجاور جغرافيا، هربا من مواجهة سيد يفرض إرادته بقوة السلاح.

وفي ما يخص الحساسية المفرطة تجاه العلم الكوردي، فهي تتجاوز كونه رمزا قوميا؛ إذ يمثل للسني فعل الانفصال عن عراق يقدسه في خياله كدولة مركزية قوية، رغم أنه واقعيا لم يعد يملك من هذا العراق إلا الذكريات؛ هذا الانفصام يولد كراهية انتقامية؛ فالفقر والتهميش في المحافظات السنية لا يعزى في خطابهم الشعبي إلى الفشل المركزي أو سطوة الميليشيات فحسب، بل تسلع -رفاهية الإقليم- كسبب لفقرهم، وكأن ازدهار دهوك أو السليمانية هو بالضرورة اقتطاع من حصة الرمادي أو الموصل.

إن ما نراه اليوم هو تجارة بالكراهية تديرها نخب سنية بارعة في فن الانفصام؛ فهي تهاجم الإقليم في الفضائيات لتعبئة الجماهير الغاضبة، بينما تلوذ بقصورها واستثماراتها في أربيل عند أول بادرة خطر؛ ويكتمل هذا المشهد بالسلوك الصبياني لبعض القيادات السنية الحالية، التي تخلت عن رزانة العمل السياسي الممنهج لصالح خطاب انفعالي يفتقر لأدنى معايير المنطق والدولة؛ خطاب لا يرى في القضايا الحساسة إلا وقودا لإثارة مشاعر الجماهير وتجييش عواطفهم، في محاولة بائسة لتعويض الإفلاس البرامجي بمكاسب انتخابية ضيقة، محولين السياسة من فن إدارة المصالح إلى منصة للمزايدات الصبيانية؛ لقد باتت القضية الكوردية السلعة الأكثر رواجا لتغطية الفشل في إنتاج مشروع سني حقيقي، وللهرب من استحقاق مواجهة القوى التي صادرت القرار السني فعليا.

إن هذا الاستقطاب الحاد يشير إلى أزمة معنى وطني؛ حيث أصبح الحقد على نجاح الجار وسيلة لنسيان فشل الدار؛ ولن يبرأ هذا الجرح إلا بمواجهة صادقة مع الذات، تدرك أن عداء الكورد ليس طريقا لاستعادة الحقوق المسلوبة، بل هو استنزاف لما تبقى من وحدة مجتمعية، يخدم في النهاية كل من يريد للعراق أن يبقى ساحة لصراع الهويات المأزومة.

اقليم كوردستان 9-5-2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *