حددت الأيام الأولى من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي مسارات السيناريو العراقي القادم وإستنتجت النتائج أيضاً.
نعم، ذلك ما يحدث في المشهد السياسي بعد أن كانت بغداد تستقبل في كل مرة تتشكل فيها حكومة جديدة مبعوث إيران إسماعيل قاآني وقبله قاسم سليماني لترتيب أوضاع البيت السياسي وتوزيعه للمناصب والحصص، أصبحت تستقبل اليوم توم باراك مبعوث ترامب للعراقيين ومعه ديفيد بتريوس مدير وكالة المخابرات المركزية سابقاً، مما يعني أن تلك الأسماء لا تزور هذا البلد صدفة أو زيارات بروتوكولية، بل هي رسائل إلى ما يحدث في دهاليز السياسة العميقة في العراق.
فبتريوس درس بغداد جيداً، وباراك يمثل الوجه الآخر من القوة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط.
في مشهد تبدو فيه بغداد وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة السياسية التي ستُبعد الكثير من الوجوه التي تصدرت المشهد بعد عام 2003 وتُنتج طبقة أكثر برغماتية تعي جيداً أن قوة النفوذ والسلطة لم تعد تتحكم بها الأحزاب والشخصيات السياسية، بل عبر بوابة المال والإستثمار.
يعّي الإطار التنسيقي أن خطيئته بالقبول لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بتشكيل حزب والدخول إلى سباق الإنتخابات لن تتكرر في المرشح الجديد علي الزيدي لرئاسة الوزراء خوفاً من ظهور قوة سياسية جديدة على الساحة تتنافس معهم على السلطة، لذلك سيحاول الإطار التنسيقي وضع كل الشروط والضوابط التي تحدّ من سلطة المرشح الجديد وتمنعه من إتخاذ القرارات دون الرجوع للإطار، لتتحول الوظيفة من رئيس وزراء إلى أدنى مثل مدير عام.
علي الزيدي رئيس الوزراء الجديد الذي يراهن عليه البعض بأنه السيناريو الأقرب للمعسكر الغربي كسلفه الرئيس الأسبق مصطفى الكاظمي ربما سيجد من صدامه المؤجل الذي لن يطول مع سلاح الفصائل المسلحة إختباراً حقيقياً للرهان الأمريكي على نجاحه وحتى خلاصاً للكثير من القوى الشيعية التي إستمرت بسلطتها ونفوذها لسنوات وباتت ترى إن سلاح الميليشيات بات يهدد مصالحها ونفوذها وحتى ديمومتها في الحياة السياسية، لذلك باتت تتمنى ولو في السر بالخلاص من ذلك السلاح الذي أصبح يُثقل كاهلها ويجعلها تنتظر ما ستؤول إليه نتائج الحرب الأمريكية الإيرانية.
معضلة الخطوط الحمراء التي ستواجه الزيدي في كيفية الموازنة بين الضغوط الأمريكية التي أصبحت أوامر، وبين إرضاء الحلفاء التقليديين من قادة الفصائل المرتبطين بطهران هو الإختبار الحقيقي للزيدي، فأما أن يُرضي واشنطن ويخسر الدعم الفصائلي ومن ورائه طهران أو يواجه عقوبات إقتصادية ودبلوماسية أمريكية.
المفارقة أن أمريكا لم تعد تهدد النظام السياسي العراقي بالدبابات والمدافع بقدر تهديدها الأخطر بحصار إقتصادي ودبلوماسي أكثر نعومة لكنه أكثر ضرراً وتأثيراً يضبط المشهد العراقي.
دخول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على خط تشكيل الحكومة الجديدة بعد إعتكاف سياسي دام طوال حكومة محمد شياع السوداني ودعوته إلى تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل إنساني يمارس نشاطه للإغاثة والمعونات الإنسانية، ومطالبته الحكومة الإبتعاد عن “خلطة العطّار” وإمهاله مدة لاتتجاوز 90 يوماً لتنفيذ مطالبه، يعني إن القرار الذي سيصدر من الحنّانة مركز مقتدى الصدر قد يصل إلى تحريك الشارع ضد هذه الحكومة إذا لم تُنفذ تلك المطالب.
كل تلك الخيوط الخارجية والداخلية باتت تفرض قواعد جديدة في لعبة السياسة بالأفعال وليس بالأقوال وتنتظر في مُدد زمنية محددة أن تُنفذ شروطها.
المؤكد أن مبعوث ترامب إلى بغداد سيكون هو المندوب السامي الذي تُمرر عبر بوابته التشكيلة الحكومية الجديدة بعد أن كانت تنال موافقة قاآني، وهي في حد ذاته تغيير إستراتيجي في السياسة العراقية، لكن المؤلم في الموضوع هو تحول البوصلة السياسية من الشرقية إلى الغربية دون وجود أي معنى للسيادة أو أثر لها، وذلك ما يحزّ في النفس بالواقع السياسي العراقي الذي وصل إلى الحضيض.

