في عالم السياسة، كثيرا ما تستخدم التصريحات الحادة لتحقيق مكاسب إعلامية أو انتخابية أو لإعادة تشكيل صورة الخصوم والحلفاء أمام الرأي العام. لكن ثمة فارق جوهري بين توجيه الانتقاد إلى جهة سياسية محددة، وبين تحويل شعب كامل إلى هدف للاتهام والتشويه. هذا الفارق هو ما يغيب أحيانا عن بعض الخطابات السياسية التي تتجاوز حدود النقد لتدخل في دائرة التعميم والإساءة الجماعية، وهو ما ظهر بوضوح في التصريحات التي تناولت الكورد بوصفهم “لصوصا” أو “مرتزقة” يقاتلون من أجل المال فقط.
إن الادعاء بأن الولايات المتحدة سلمت أسلحة للكورد بهدف إيصالها إلى الإيرانيين لاستخدامها ضد النظام الإيراني، ثم جرى الاستيلاء على تلك الأسلحة من قبل جهات كوردية، يبقى ادعاء خطيرا يحتاج إلى أدلة واضحة وشفافة، لا مجرد تصريحات إعلامية عامة. ففي القضايا المرتبطة بالأمن والسلاح والعلاقات الدولية لا يمكن بناء الاتهامات على روايات فضفاضة أو انطباعات سياسية، خصوصا عندما يتم توجيهها نحو شعب يمتد عبر عدة دول ويضم ملايين البشر وتيارات سياسية واجتماعية متعددة.
المشكلة الأعمق في مثل هذا الخطاب لا تكمن فقط في غياب الأدلة بل في تعميم الاتهام على الكورد ككل، وكأن أي خطأ أو تجاوز قد يرتكبه فرد أو حزب أو جماعة سياسية يمثل بصورة تلقائية شعبا بأكمله.
هذا النوع من الخطاب يعكس ذهنية تختزل الشعوب في تصرفات أفراد، وتلغي الفوارق بين المجتمعات والقوى السياسية والتنظيمات المختلفة. ولو تم اعتماد هذا المنطق عالميا، لأصبحت أخطاء الحكومات أو الجماعات المسلحة وصمة تلاحق جميع شعوب الأرض دون استثناء.
كما أن وصف الكورد بأنهم “يقاتلون من أجل المال فقط” يتجاهل جانبا واسعا من التاريخ السياسي والعسكري للشعب الكوردي، الذي خاض لعقود طويلة معارك وجود وهوية وحقوق، ودفع أثمانا باهظة في سبيل الحفاظ على بقائه القومي والسياسي. فالكورد لم يدخلوا معاركهم الكبرى بوصفهم جيوشا مأجورة، بل كانوا في كثير من الأحيان يقاتلون دفاعا عن مدنهم ومجتمعاتهم وحقهم في الحياة. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الحرب ضد تنظيم داعش، حين لعبت القوات الكوردية ( البێشمرگە ووحدات حماية الشعب)، دورا محوريا في مواجهة واحد من أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم.
لقد دفعت المناطق الكوردية ثمنا بشريا هائلا في تلك الحرب، وسقط آلاف المقاتلين دفاعا عن مناطقهم وعن الاستقرار الإقليمي والدولي، ومن غير المنطقي بعد كل تلك التضحيات اختزال هذه التجربة في صورة نمطية تعتبر الكوردي مجرد مقاتل يبحث عن المال، فحتى الدول الكبرى التي شاركت في الحرب ضد الإرهاب اعترفت علنا بالدور الكوردي في إضعاف التنظيمات المتطرفة ومنع تمددها.
كما أن تجربة الكورد مع الولايات المتحدة في كردستان سوريا كشفت للكثيرين حدود الثقة بالسياسات الأمريكية المتغيرة، لا سيما خلال فترة إدارة دونالد ترامب. فالكورد الذين خاضوا حربا شرسة ضد داعش إلى جانب التحالف الدولي، وجدوا أنفسهم لاحقا أمام تحولات سياسية وعسكرية مفاجئة أعادت طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التحالفات الدولية ومفهوم الشراكة مع القوى الكبرى. ولذلك، فإن حالة التراجع في الثقة بالسياسات الأمريكية داخل الأوساط الكوردية لم تأت من فراغ، بل من شعور متزايد بأن المصالح الدولية كثيرا ما تتقدم على الالتزامات الأخلاقية والسياسية تجاه الحلفاء المحليين.
ومن المفارقات أن شعبا خاض واحدة من أعنف المعارك دفاعا عن الاستقرار الإقليمي والعالمي ضد الإرهاب، أصبح لاحقا هدفا لخطابات تتهمه بالارتزاق والطمع المادي. والحقيقة أن التجربة الكوردية مع القوى الدولية، وخصوصا مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، تظهر أن الكورد كانوا في كثير من الأحيان الطرف الذي قدم التضحيات الكبرى دون أن يحصل على ضمانات سياسية حقيقية أو حماية دائمة لمصالحه القومية والإنسانية.
وفي المقابل، حتى لو افترضنا صحة وجود جهات كوردية محددة استغلت الدعم العسكري أو خالفت اتفاقات سياسية، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على تلك الجهات وحدها، لا على الشعب الكوردي بأسره. فالأمم لا تدان جماعيا بسبب أخطاء أفراد أو أحزاب، تماما كما لا يمكن تحميل الشعب الأمريكي بأكمله مسؤولية تصريحات رئيس أو مسؤول سياسي. إن الخلط بين الشعوب والسلطات أو بين المجتمعات والأحزاب يمثل أحد أخطر أشكال الخطاب السياسي، لأنه يفتح الباب أمام الكراهية الجماعية ويحول الخلافات السياسية إلى أحكام أخلاقية ضد الهويات القومية.
ومن هنا، فإن أي خطاب سياسي مسؤول يجب أن يميز بين نقد الممارسات السياسية وبين الإساءة إلى الشعوب. فالتعميم لا يخدم الحقيقة بل يكرس الانقسامات ويعمق مشاعر الظلم والعداء. أما النقاش الجاد والمسؤول فيفترض تقديم الأدلة وتحديد الجهات المعنية بدقة، والابتعاد عن اللغة التي تمس كرامة الشعوب وهوياتها الجماعية.
إن احترام الشعوب لا يعني منع انتقاد القوى السياسية أو العسكرية، لكنه يعني رفض تحويل الاتهامات الفردية إلى أحكام جماعية. وهذه ليست فقط مسألة أخلاقية، بل ضرورة سياسية أيضا، لأن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يبنى على خطاب الإهانة والتشويه، بل على الاعتراف المتبادل بالتضحيات والحقوق والكرامة الإنسانية لجميع الشعوب.

