في الشرق الأوسط ، توجد أنظمة تؤمن أن التاريخ يُكتب بالحبال ، وأن المشنقة تستطيع أن تحلّ محل الحوار ، وأن الزنزانات ليست أماكن للعقاب فقط ، بل معامل لإعادة تصنيع الوعي الجمعي . لكن المشكلة الكبرى أن الأنظمة الأمنية ، مهما تضخّمت ، تظل عاجزة عن فهم حقيقة بسيطة : الشعوب ليست ملفات يمكن إغلاقها بختمٍ أحمر ، والأوطان ليست زنزانات كبيرة كما تخيّل الطغاة دائماً .
قبل أكثر من نصف قرن ، وقفت فتاة كوردية اسمها ليلى قاسم أمام آلة دولةٍ كاملة ؛ دولةٍ تملك الإعلام والمحاكم والمخابرات وشعارات “الوحدة الوطنية” ، بينما كانت تملك هي شيئاً أخطر من كل ذلك : الإيمان بأن الحق لا يحتاج إذناً كي يوجد .
كانوا يظنون أن إعدام فتاة في الثانية والعشرين سيُرعب شعباً بأكمله ، لكن ما حدث أن المشنقة نفسها تحولت إلى منصة خطابٍ قومي لم ينتهِ حتى اليوم .
المشكلة أن المشنقة قد تنجح أحياناً في قتل الإنسان ، لكنها تفشل غالباً في قتل السبب الذي أوصله إليها . وهنا تكمن المأساة الساخرة لكل عقلية شوفينية وإنكارية :
أنها تتعامل مع المطالب القومية وكأنها عطلٌ أمني يمكن إصلاحه بالقمع ، لا كحقيقة شعبٍ يرفض الاختفاء .
منذ ليلى قاسم وحتى آلاف الشهداء والشهيدات بعدها ، تبدلت الحكومات ، وتغيّرت الأعلام ، وسقطت جمهوريات ، وظهرت أخرى ، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً بصورة تثير السخرية والدهشة معاً : العقلية الإنكارية نفسها . العقلية التي تقول للكوردي : “ انسَ لغتك كي تصبح مواطناً صالحاً .” “ انسَ تاريخك كي نمنحك بعض الحقوق .” “ انسَ شهداءك كي نسمح لك بالحياة .”
وكأن الوطنية في الشرق الأوسط امتحانٌ طويل في محو الذاكرة ، وكلما فقد الإنسان ملامحه أكثر ، اعتُبر مواطناً صالحاً .
الأنظمة التي تخاف من لغة أمّ ، لا تبدو واثقة من أوطانها كما تدّعي . ثم يصابون بالدهشة كل مرة حين يكتشفون أن المقابر الجماعية لا تدفن القضايا ، بل تتحول مع الوقت إلى مناجم غضبٍ وذاكرة . وهذا ما لم تفهمه الأنظمة التي اعتقدت دائماً أن الزمن يعمل لصالحها .
الحقوق لا تسقط بالتقادم ، والاستعمار لا يصبح شرعياً لأن العالم تعب من سماع الضحية .
ربما الخرائط التي رُسمت بالخوف قد تعيش فترةً ، لكنها تبقى خرائط قلقة ، تخاف دائماً من طفلٍ يتعلم لغته الأم أكثر من خوفها من الجيوش .
لقد حاولوا كثيراً تحويل الكورد إلى “تفصيل عابر” في المنطقة ، لكن المشكلة أن الجغرافيا نفسها كانت تتكلم بالكوردية أحياناً أكثر من السياسيين . المدن ، الأغاني ، الجبال ، أسماء الأمهات ، الأسلحة المحرّمة وحتى المقابر الجماعية ، كلها كانت تقول شيئاً واحداً :
إن شعباً قدّم كل هذه التضحيات لا يمكن إقناعه بأنه مجرد “حالة طارئة” .
والمثير للسخرية أن الأنظمة التي كانت تتهم الكورد بـ”تهديد الوحدة الوطنية” ، هي نفسها التي لم تستطع العيش يوماً دون طوارئ وسجون وخوف دائم من شعوبها . أي وحدة هذه التي تحتاج كل هذا الرعب كي تبقى حيّة ؟
الوحدة الحقيقية لا يحرسها الجندي ، بل يحرسها شعور الناس بالعدالة .
أما الوحدة التي تعيش على الدبابات ، فهي ليست وطناً… بل حالة طوارئ طويلة الأمد .
أعظم درس من ذكرى ليلى قاسم ليس الحزن فقط ، بل فهم طبيعة الصراع نفسه . فالصراع لم يكن يوماً بين شعب يريد الحياة ودولة تريد القانون ،
بل بين ذاكرة تريد الاعتراف ، وعقلية تخاف من الاعتراف لأن اعترافها يعني سقوط الرواية التي بنت عليها سلطتها وعنجهيتها لعقود .
ولهذا ، لم تمت ليلى قاسم ورفيقاتها . فالذين يتحولون إلى رموز لا يعود الزمن قادراً على دفنهم . لم تعد ليلى قاسم مجرد شهيدة في ذاكرة الكوردستانيين ، بل سؤالاً سياسياً وأخلاقياً مفتوحاً : لماذا تخاف الأنظمة دائماً من امرأة تحمل فكرة أكثر من خوفها من جيشٍ كامل ؟
ربما لأن الأفكار لا تُعدم بسهولة .
واليوم ، بعد أكثر من خمسين عاماً ، ما يزال الدم يسيل في هذه المنطقة ، وما تزال الشعوب تطالب بالحقوق ذاتها ، وما يزال البعض يعتقد أن الإنكار يمكن أن ينتصر على التاريخ .
لكن التاريخ عنيد .
وكلما سقط شهيد ، قد يربح الطغاة جولة قصيرة ، لكنهم يخسرون قرناً كاملاً من الشرعية .
أما الشعوب ، فقد تتعب ، وقد تنكسر أحياناً ، وقد تتراجع… لكنها لا تنسى .
ولهذا بقيت ليلى قاسم حيّةً في ذاكرة شعبها أكثر من كثير من جلاديها الذين اختفوا في مزبلة التاريخ ، وبقيت صور الشهداء حيّةً في ذاكرة الشعوب ،
بينما تآكلت أسماء جلاديهم في أرشيف الخوف ومزابل السلطة .
فالطغاة يملكون السجون لسنوات ، أما الشعوب فتملك الذاكرة لقرون . وحين تتحول الذاكرة إلى قضية ،
لا تعود المشانق كافية لإقناع الشعوب بالنسيان .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

