سوريا والواقع الكردي : روج آفا بين التحولات السياسية وحدود الاستقرار – محمد ديب أحمد

تشهد سوريا مرحلة انتقالية جديدة في دمشق ، إلا أن طبيعة هذا التحول لا تزال أقرب إلى إعادة تشكيل أدوات الحكم أكثر من كونها إعادة تعريف لبنية الدولة ووظيفتها . فالتغير التدريجي في الخطاب السياسي ، رغم أهميته ، لم ينعكس بعد بصورة واضحة على مستوى إعادة صياغة العلاقة بين المركز والمكونات السياسية والاجتماعية على أسس مستقرة وواضحة .
تاريخياً ، تشكلت الدولة السورية الحديثة ضمن إطار مركزي صارم ، من التجربة العفلقية وصولاً إلى النموذج البعثي ، حيث تم التعامل مع التعدد بوصفه ملفاً إدارياً قابلاً للضبط ، لا حقيقة سياسية بنيوية يُفترض أن تُبنى عليها الدولة . ورغم التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة ،
فإن هذا الإرث لا يزال حاضراً بدرجات متفاوتة ، وإن بصيغ أقل صلابة من السابق .
روج آفا : تجربة تشكلت كحتمية تاريخية وسياسية
في هذا السياق ، برزت روج آفا بوصفها تجربة تشكلت كحتمية تاريخية وسياسية ، نتيجة تراكم طويل من الإشكاليات البنيوية المرتبطة بطبيعة الدولة المركزية في سوريا ، وتعقيدات المسألة الكردية ، وتداخلها مع التحولات العميقة التي فرضها الصراع السوري .
ومع تراجع حضور الدولة المركزية في مناطق واسعة خلال سنوات الحرب ، تبلورت هذه التجربة بصورة متسارعة ضمن فراغ مؤسساتي وأمني ، ما أتاح نشوء نموذج حكم محلي تطور تدريجياً تحت ضغط الضرورات السياسية والأمنية والإدارية .
ورغم ما يواجهه هذا النموذج من تحديات بنيوية وإدارية ، إلا أنه تمكن من إنتاج بنية مؤسساتية أدارت منطقة شديدة التعقيد في ظل انهيار واسع في بنية الدولة أو تراجع قدرتها الفعلية على الحضور .
وبهذا المعنى ، فإن التعامل مع هذه التجربة بوصفها حالة طارئة أو تفصيلاً عابراً لا يعكس طبيعة المسار الذي أنتجها ، بقدر ما يغفل عن كونها نتاجاً لتراكمات تاريخية وسياسية ممتدة ، أعادت الحرب السورية إبرازها وتكثيفها في لحظة انهيار بنيوي واسع .
التوازنات الإقليمية والدولية
أصبح ملف روج آفا وشمال شرق سوريا جزءاً من توازنات إقليمية ودولية متعددة الأبعاد ، ولم يعد ملفاً داخلياً صرفاً :
– تتعامل تركيا مع هذا الملف من منظور الأمن القومي المباشر
– تتعامل دمشق معه من منظور إعادة تعريف السيادة وإعادة الإدماج السياسي
وتتعامل القوى الدولية معه ضمن إطار إدارة الاستقرار ومنع الانهيار الأمني ، لا ضمن منطق الحل  النهائي .
هذا التعدد في المقاربات يجعل من المنطقة مساحة توازنات مفتوحة أكثر من كونها مساحة تسويات نهائية . وبهذا المعنى ، يمكن وصف الوضع بأنه استقرار وظيفي غير مكتمل ؛
 واقع قائم دون تسوية سياسية نهائية ، وتوازن قائم دون اتفاق مؤسسي مستقر .
دمشق : تحول تدريجي غير مكتمل
في المقابل ، تبدو دمشق في مرحلتها الانتقالية أكثر ميلاً إلى إعادة ضبط أدوات الحكم مقارنة بالمراحل السابقة ، إلا أن هذا التحول لا يزال جزئياً ولم يرقَ بعد إلى مستوى إعادة تعريف بنيوي للدولة .
فالتحول الحقيقي لا يقاس بتعديل الخطاب السياسي أو بإجراءات إدارية محدودة ، بل بمدى القدرة على ترسيخ مبدأ الدولة القائمة على القانون بوصفه المرجعية العليا الفعلية ، حيث تكون المؤسسات هي الحَكم الفعلي ، لا الاعتبارات الشخصية أو البُنى غير المؤسسية في إدارة القرار السياسي والإداري .
ولا تزال هناك فجوة واضحة بين مستوى الخطاب المعلن ومستوى الممارسة الفعلية ، سواء في بنية الإدارة العامة أو في آليات اتخاذ القرار ، وهو ما ينعكس على بطء الانتقال نحو نموذج دولة مؤسساتي قائم على سيادة القانون وتكافؤ المعايير .
كما أن العلاقة مع المكونات السورية ، وفي مقدمتها المكون الكردي ، ما تزال تُدار ضمن نمط غير مستقر ومتذبذب بين الانفتاح المحدود والتراجع العملي ، ما يجعل السياسات المتبعة أقرب إلى خطوات غير مكتملة :
خطوة إلى الأمام على مستوى الخطاب ، تقابلها خطوات تقييد أو تراجع على مستوى التنفيذ ، بما يضعف من منسوب الثقة السياسية ويؤخر الوصول إلى تسوية مستقرة وواضحة .
ويُنظر إلى المكون الكردي بوصفه أحد المكونات التاريخية الأصيلة في الجغرافيا السورية والشرق أوسطية الأوسع ، بما يمتلكه من خصوصية لغوية وثقافية وهوية ممتدة عبر أكثر من دولة في الإقليم ، وهو ما يجعل مسألة إدماجه في إطار الدولة مسألة سياسية–دستورية بالدرجة الأولى ، تتعلق بكيفية تنظيم التعدد ضمن دولة المواطنة وسيادة القانون ، لا إلغائه أو تجاوزه .
كما أن قراءة المشهد السوري في هذه المرحلة تتطلب درجة عالية من الحذر في توصيف التحولات ، نظراً لحساسية السياق وتعدد زوايا النظر وتباين السرديات ، وهو ما يجعل اللغة السياسية جزءاً من دقة التحليل لا مجرد أداة وصف .
الدستور كعنصر حاسم
يبقى الدستور العنصر الأكثر حسماً في أي مسار مستقبلي .
فغياب إطار دستوري واضح وملزم يجعل أي ترتيبات سياسية عرضة لإعادة التفسير وفق موازين القوة السياسية والميدانية ، لا وفق مبدأ القانون والمؤسسات .
ومن دون تحويل الدستور إلى مرجعية عليا فعلية ، ستبقى أي تحولات سياسية قابلة للتراجع أو إعادة الإنتاج بصيغ مختلفة ، حتى وإن بدت مستقرة في لحظتها الراهنة .
الخلاصة
يمكن تلخيص المشهد السوري والكردي اليوم في معادلة مزدوجة :
من جهة ، تجربة كردية تشكلت بوصفها نتيجة لمسار تاريخي وسياسي طويل ، وأنتجت نموذجاً إدارياً واقعياً في ظروف استثنائية ، لكنها ما تزال بحاجة إلى تطوير مؤسساتي أعمق يضمن الاستدامة والتماسك والقدرة على الاندماج في إطار سياسي أوسع .
ومن جهة أخرى ، مسار في دمشق بدأ يتغير تدريجياً ، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التحول البنيوي الكامل في تعريف الدولة ووظيفتها وعلاقتها بمكوناتها .
وبين الطرفين ، يبقى الواقع محكوماً بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية ، تجعل من “إدارة الواقع” خياراً حاضراً ، بينما تبقى التسوية النهائية مؤجلة إلى مرحلة لاحقة لم تتبلور شروطها السياسية والدستورية بعد .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *