الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع- جورج منصور

 

صوّت البرلمان العراقي على الحكومة الجديدة وسط مشهدٍ سياسيٍ بات مألوفاً للعراقيين؛ مشهدٌ تُحسم فيه التفاهمات داخل الغرف المغلقة أكثر مما تُحسم عند صناديق الاقتراع، وتُوزَّع فيه المناصب وفق معادلات التوازن والمحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، لا وفق معيار الكفاءة أو المشروع الوطني الجامع. لذلك، لم تعد ولادة أي حكومة جديدة تُقابل بحماسةٍ شعبيةٍ واسعة، بل بحذرٍ ثقيل وقلقٍ متراكم صنعته تجارب السنوات الماضية.

فمنذ عام 2003، اعتاد العراقيون على مشهد الحكومات التي تولد من رحم التفاهمات السياسية أكثر مما تولد من إرادة الشارع، حتى أصبحت جلسات منح الثقة البرلمانية طقساً سياسياً متكرراً لا يثير كثيراً من التفاؤل بقدر ما يثير أسئلة القلق والانتظار. فكل حكومة جديدة تأتي محمّلةً بشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد واستعادة هيبة الدولة، لكنها تدخل سريعاً في امتحانٍ أصعب من نيل ثقة البرلمان: امتحان الشارع العراقي الذي أثقلته سنوات الإخفاقات وتآكلت داخله الثقة بالطبقة السياسية. وبين شرعيةٍ دستورية تمنحها أصوات النواب، وشرعيةٍ شعبية لا تُمنح إلا بالإنجاز، تقف الحكومة الجديدة أمام تحدٍ مصيري سيحدد إن كانت قادرة على كسر الحلقة المفرغة التي أدارت البلاد لعقدين، أم أنها ستكون مجرد فصلٍ جديد في رواية الأزمات العراقية الطويلة.

فالعراقيون لم يعودوا ينظرون إلى الحكومات من زاوية الأسماء والشخصيات، بقدر ما ينظرون إليها من زاوية النتائج. لقد تعاقبت على البلاد حكوماتٌ كثيرة رفعت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات وبناء الدولة، لكن المواطن ظل يواجه الأزمات ذاتها: بطالة، وفقر، وفساد، وتراجع في الخدمات، وضعفاً في مؤسسات الدولة، وتآكلاً مستمراً في الثقة بين الشارع والطبقة السياسية. ولهذا، فإن موقف الشعب من الحكومة الجديدة لن تحدده خطابات التكليف ولا بيانات الثقة البرلمانية، بل ستحدده سياساتها الفعلية وقراراتها المقبلة، ومدى انعكاسها على حياة الناس اليومية.

إن أي حكومة تستطيع أن تقترب من نبض الشارع حين تُشعر المواطن بأن الدولة وُجدت لخدمته، لا لخدمة الأحزاب والمصالح الضيقة. فالعراقي البسيط لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر عدالةً في توزيع الفرص، وخدماتٍ تحفظ كرامته، وفرص عملٍ لأبنائه، ومؤسساتٍ تحترم القانون، ودولةً قادرة على حماية المال العام من شبكات الفساد التي تحولت، خلال العقدين الماضيين، إلى منظومة متغلغلة في مفاصل الدولة. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة يبدأ من قدرتها على الانتقال من لغة الوعود إلى لغة التنفيذ.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة النظام السياسي الذي تُولد هذه الحكومة في إطاره. فهي، كسابقاتها منذ عام 2003، قامت على أساس المحاصصة والتوازن السياسي الطائفي والقومي، وهو نظام أثبت مع مرور الزمن أنه لا ينتج دولةً مستقرة بقدر ما ينتج تسوياتٍ مؤقتة بين القوى المتنفذة. فالمحاصصة، حتى وإن قُدمت تحت عنوان “الشراكة الوطنية”، تحولت في كثير من الأحيان إلى تقاسمٍ للسلطة والنفوذ والثروات، وإلى وسيلةٍ لحماية الأحزاب أكثر من حماية الدولة.

ومن هنا يشعر كثير من العراقيين بأن هذه الحكومة لا تعبّر بالضرورة عن خياراتهم الحقيقية، بقدر ما تعبّر عن تفاهمات الزعامات السياسية التي ساهمت، طوال السنوات الماضية، في إنتاج الأزمات وإدامتها. فالوجوه قد تتبدل أحياناً، لكن آليات الحكم تبقى نفسها، والعقلية السياسية ذاتها تستمر في إدارة البلاد بالمنطق القديم: منطق التسويات لا الإصلاحات، ومنطق التوازنات لا المواطنة، ومنطق الولاءات الحزبية لا بناء المؤسسات.

لقد دفعت الأجيال العراقية المتعاقبة ثمن هذه المعادلة. فعندما تُوزَّع الوزارات وفق الانتماءات والمحاصصات، تصبح الكفاءة مسألةً ثانوية، ويتحول الوزير في كثير من الأحيان إلى ممثلٍ لكتلته السياسية أكثر من كونه مسؤولاً أمام الشعب. وعندما تتداخل المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة، يضعف القرار الوطني المستقل، وتصبح الدولة نفسها رهينةً للصراعات السياسية والمساومات المستمرة.

وللإنصاف، فإن كل حكومة بعد 2003  بررت إخفاقاتها بتحدياتٍ استثنائية: توتراتٍ إقليمية، وأزماتٍ مالية، وضغوطٍ داخلية، وإرثٍ ثقيل من الإخفاقات المتراكمة. وادعت وجود محاولات لاستعادة شيءٍ من هيبة الدولة، مع مشاريع إعمار محدودة وتحسنٍ نسبي في العلاقات الخارجية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي تلك التبريرات لإقناع العراقيين بأن الحكومة تسير فعلاً نحو إصلاح حقيقي؟

المشكلة لا تتعلق فقط بالأداء الحكومي، بل في بنية النظام السياسي نفسه، القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية، والذي يجعل الحكومات المتعاقبة أسيرةً لمنطق “توزيع المغانم” قبل منطق “الإدارة الرشيدة”. فعندما تُوزَّع المناصب العليا بوصفها استحقاقاتٍ حزبية، يصبح الحديث عن النزاهة والكفاءة أقرب إلى الشعارات منه إلى التطبيق الواقعي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكم على الحكومة الجديدة لا يمكن أن يكون مسبقاً أو مطلقاً. فحتى داخل الأنظمة السياسية المعقدة، تستطيع الحكومات أن تُحدث فارقاً إذا امتلكت إرادةً حقيقية للإصلاح، وتحلت بالشجاعة الكافية لمواجهة الفساد ومراكز النفوذ، واختارت الوقوف إلى جانب المواطنين لا إلى جانب شبكات المصالح. فالشعب العراقي، رغم كل خيباته، ما زال يمنح الفرصة تلو الأخرى، لكنه لم يعد يمنح ثقته مجاناً.

لقد أصبح الشارع العراقي اليوم أكثر وعياً وتجربةً من أي وقت مضى. فقد اختبر الشعارات الكبيرة، واكتشف المسافة الواسعة بين الخطاب السياسي والواقع، وأصبح يقيس أداء الحكومات بما يتحقق على الأرض لا بما يُقال على الشاشات. لذلك، فإن أي فشلٍ جديد لن يُنظر إليه باعتباره خطأً عابراً، بل استمراراً لمسارٍ طويل من الإخفاقات التي أنهكت الدولة والمجتمع معاً.

إن الحكومة الجديدة تقف اليوم أمام لحظة اختبارٍ حقيقية: إما أن تنجح في استعادة جزءٍ من ثقة العراقيين عبر قراراتٍ جريئة وإصلاحاتٍ ملموسة تمس حياة الناس اليومية، وإما أن تتحول إلى نسخةٍ أخرى من الحكومات السابقة، فتتعمق الهوة أكثر بين الشعب والسلطة. فالعراقيون لا يريدون حكومةً تتقن فن الخطابات، بل حكومةً تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللوطن شعوره بالأمان والاستقرار.

وفي النهاية، تبقى الشرعية البرلمانية وحدها غير كافية لبناء الثقة الشعبية. فالشرعية الحقيقية تُصنع في الشارع: في المدارس والمستشفيات، في فرص العمل، في الكهرباء والماء، في العدالة ومحاسبة الفاسدين، وفي شعور المواطن بأن صوته وحياته وحقوقه ليست مجرد أرقام في خطابات السياسيين. هناك فقط سيقرر العراقيون موقفهم الحقيقي من هذه الحكومة: هل جاءت لتخدم الوطن فعلاً، أم لتعيد تدوير الأزمة بصيغةٍ جديدة؟

فالعراق لم يعد يحتمل المزيد من الحكومات التجريبية، ولا المزيد من الوعود المؤجلة. وما يحتاجه اليوم ليس تغيير الوجوه فحسب، بل تغيير طريقة الحكم نفسها، والانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة، ومن منطق التسويات المؤقتة إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن مستقبل الحكومة الجديدة لن يُكتب داخل قاعات البرلمان وحدها، بل سيُكتب في ذاكرة الناس وحياتهم اليومية. فالعراقيون لم يعودوا يبحثون عن خطاباتٍ مطمئنة أو شعاراتٍ مؤجلة، بل عن دولةٍ يشعرون بوجودها الحقيقي في الأمن والخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة. ولهذا، فإن نجاح الحكومة لن يُقاس بعدد التحالفات التي تحميها، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطن التي تآكلت عبر سنوات طويلة من الوعود غير المنجزة. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية مراجعةٍ حقيقية لمسار الحكم وبناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة، وإما أن يبقى العراق يدور في الحلقة ذاتها؛ حكومات تتبدل، وأزمات تتكرر، وشارع يزداد غضباً وابتعاداً عن السلطة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشرعية الأقوى ليست تلك التي تُمنح بالأغلبية البرلمانية، بل تلك التي يمنحها الشعب لحكومةٍ تنجح في أن تكون دولةً للجميع لا غنيمةً للقوى المتنفذة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *