صوت فنان ئيزيدي دناني منسي في ذاكرة الأغنية الائيزيدية في منطقة دڤرا دووبانى دنا
في أواخر القرن التاسع عشر, وتحديداً في عام 1890 م، شهدت قرية كبرتو الأيزيدية ولادة قامة فنية غيبها النسيان وعوادي الزمن، وهو الفنان السترانبيژ نمر بن خلف بن حسن بن خلف بن عيس، الذي ينتمي إلى عشيرة البريممية الدنانية العريقة. أبصر نمر خلف النور في بيئة قروية غنية بالتقاليد، وشغف منذ أيام شبابه الأولى بالغناء التراثي والمقام الأصيل، فامتلك خامة صوتية وصوتاً جهورياً مكنه من حجز مكانة مميزة له في مجالس الطرب الشعبي، والإبحار في أداء الملاحم والمواويل التراثية الصعبة التي برع فيها بشكل لافت.
قاد هذا الشغف الفني السترانبيژ نمر خلف إلى الانتقال نحو منطقة شنكال، حيث عاش هناك قرابة ست سنوات كاملة، تنقل خلالها بين قراها ومجالسها الفنية. وفي عشرينيات القرن الماضي، وتحديداً في قريتي “برانه” و”سنون”، عاصر نمر خلف عملاق الغناء الأيزيدي الكبير الفنان القدير برو شرقي. ولم تكن تلك المعاصرة مجرد مرور عابر، بل تجسدت في لقاءات فنية ومجالس إبداعية شهدت تحديات غنائية كبرى؛ حيث يروي أحفاده ومجايلوه أن نمر خلف كان يدخل في منافسات ومساجلات غنائية حية مع برو شرقي، تستمر وتتواصل من غسق المساء وحتى خيوط الفجر الأولى، في إبرازٍ لطبقات الصوت وعمق الذاكرة التراثية وحفظ القصائد الملحمية والمواويل التي تميز في أدائها، ومن أبرزها موال “لى لى صبرى”، وموال “زينبى”، بالإضافة إلى إتقانه الشديد لغناء السترانات التاريخية الكبرى التي وثقت مآثر الشخصيات والحوادث، مثل “ستران خليل بك”، و”ستران نواخ براهيم باشا”، و”ستران تمر بك زري”.
بقيت سيرة هذا الفنان ومخزونه الفني الغني مخبأة في صدور الرواة وكبار السن، ولم تندثر بفضل التوثيق الشفهي والأمانة التاريخية التي حفظت ذكره. ومن بين الشهادات الحية التي تؤكد مكانته، ما رواه الفنان القدير الراحل فقير خدر في نهاية عام 1988 م، إبان خدمته العسكرية في السرية التاسعة بمعسكر تدريب فايدة؛ حيث استذكر حينها السترانبيژ نمر خلف مستفسراً عن إرثه الفني في منطقة الدنانية، ومؤكداً على القيمة الإبداعية التي كان يمثلها الراحل في زمن العمالقة، على الرغم من أن ظروف الحرب وعمليات الأنفال القاسية في بهدينان آنذاك حالت دون تسليط الضوء الكافي على هذا التراث في وقته. واليوم، ومن خلال التواصل المباشر مع حفيده، السيد عزيز خليل نمر، تتأكد هذه الروايات التاريخية والمخزون الفني الغني لتعيد الاعتبار لجد عاش مخلصاً لفنه وعشيرته، وترك بصمة خفية في تاريخ “الستران” الأيزيدي تستحق اليوم أن تدون وتخلد في سجلات المجد الثقافي للمنطقة.

